هذه العبارة الموضوعة في العنوان كانت تُقال في القرن الرابع الهجري في وصف المشتغلين في الأدب والثقافة أي قبل عصر الفيس بوك بزمن طويل,واستخدام هذه العبارة للدلالة على الفاقة والحرمان والعوز الذي يصيب الأدباء, ولعل هذا ما يبرر اليوم أن المتفرغين تماماً للأدب هم من المتقاعدين الذين أعيتهم أجسادهم عن العمل العضلي في أي حرفة أخرى فاتجهوا للعمل الفكري ,لأن العقل الجمعي يعي تماماً أن الفقر بانتظار من «أدركته حرفة الأدب» أي بمعنى آخر من أصابه مسٌّ أدبي ,ومن هذا الباب نبرر لأحد النقاد الأكاديميين رفضه لدراسة رواية لأديب شاب بدعوى أن المجلات لن تنشر مقالاً في رواية لاسم غير معروف ,وسيذهب الوقت والجهد الذي هدره في قراءة الرواية والكتابة عنها هباء منثورا ,وقد امتلأت كتب التراث بالحديث عن فقر الشعراء الذي اضطر الكثيرين منهم للعيش في «البلاطات» يقتاتون بالمدح والذم ومثالنا على هذا الكلام ما ورد في المقامة البكرية للحريري حيث يلخص أبو زيد السروجي بطل المقامة للراوي الحارث بن همام المعتدّ جداً بأهل الأدب فيقول له : « أعلمت أن الأدب قد بارْ وولت أنصاره الأدبارْ,فالأسجاع لا تشبع من جاعْ..» طبعاً والمقصود من الأسجاع الكلام المقفى المشتمل على المحسنات البديعية السجع . وقد كانت المقامات فناً جميلاً له حضوره وشأنه الخاص .أما أبو حيان التوحيدي الناقد المعروف الذي أحرق كتبه فقد أرسل رسالة للقاضي أبي سهل يقول فيها : « إني جمعت الكتب أكثرها للناس ,وطلب المثالة منهم , ولعقد الرياسة بينهم , ولمدِّ الجاه عندهم ,فحرمت ذلك كله ولقد اضطررت بينهم بعد العسرة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء ,وإلى ما لا يحسن بالحرِّ أن يرسمه بالقلم ,ويطرح في قلبه الألم » فإذا كان هذا حال المشتغلين في الأدب والثقافة في العصور الغابرة فما هي حالهم اليوم بعد سيطرة الشاشات الفضية على المتلقي حتى أغلقت دور النشر واحداً بعد الآخر ولم يبق منها إلا ما يُعد على أقل من أصابع اليد الواحدة ومهما بدا المشهد قاتما فإن ما ورد من كلام السيد الرئيس بشار الأسد في لقائه مع أعضاء اتحاد الكتاب العرب بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لتأسيس الاتحاد حيث قال لهم :« قرروا …وارفعوا مقترحاتكم …وعلينا التنفيذ » إن مثل هذا الكلام يعيد للشارع الثقافي ألقه وحضوره ما نأمله أن ينعكس على واقع اتحاد الكتاب العرب بشكل عام .
ميمونة العلي
المزيد...