تحية الصباح … من الذّاكرة 62

عام 1980 كنت واحداً في وفد إلى (ألمانيا الشرقيّة) آنذاك، وكان الوفد برئاسة الدكتورة ناديا خوست، الروائيّة، والقاصّة، والناشطة المتميّزة في الدفاع عن آثار دمشق القديمة، التي أراد التجار التهامها، لتحقيق مزيد من الارباح، دون النظر إلى قيمة تلك الكنوز المعمارية، والعضو الثالث المرحوم أبو الفتح أديب عزّت.

حين دخلت الطائرةُ فضاء القارة الاوروبيّة،.. حين نتمكّن من النظر من نافذة الطائرة، بدا العالم جديداً وأخضر بكلّ ما للمعنى من كلمة،

استُقبلنا في مطار “برلين الشرقيّة” من قبل ممثّل عن اتحاد الكتاب الألمان، وكان معه موظف من السفارة السوريّة،في أوّل امتحان لنا، مع الالمان، في ذلك الوقت، والدكتورة نادية تتكلّم الانكليزيّة بطلاقة، فوجئنا بأنّ الألماني حتى وإن كان يعرف الانكليزيّة فإنّه لا يردّ إلاّ إذا كلّمتَه بالألمانية، ولم تكن المترجمة المكلّفة بمرافقتنا قد جاءت بعد،المرافقة المترجِمة ” الينور” صبيّة، تتكلّم العربيّة بطلاقة دون أيّ إحساس بأنّ ثمّة أحرفا حلقيّة لا تستطيع نُطقها، وقد أُرسلت إلى ” عدن” آنذاك، وبقيت فيها ستة أشهر، فهي تتكلّم العربيّة بلهجة أهلنا في ” عدن”.

-أوّل ما انطبع في ذهني ذلك الهدوء حيث حللنا، فلا أصوات باعة، ولا أصوات أبواق السيارات، وخلال ثمانية أيام لم نسمع صوت” زمّور”، رغم أنّ السيارات تتدفّق كشلال متتابع، يا إلهي، لاشكّ أنّ هذه الشعوب لم تُخلَق هكذا، نظيفة، ومرتّبة، وتحارب الضجيج، بل قُيِّض لها من أصرّ عليها على الاستجابة من خلال الإجراءات الحازمة التي تشمل الجميع،

-اضطرّت مرافقتنا، ومترجمتنا “ألينور”، أو ربّما” إليانور” للتغيّب يوماً واحدا، لتحتفل بعيد ميلاد صديقها، وجاءت مترجمة أخرى، لا أراكم الله مكروهاً، فلا نطقها سليما، ولا ترجمتها دقيقة، ولا أدري كيف اعتًرف بها مترجمة،!!

-هنا في “ألمانيا الشرقيّة” حين يجئ موعد الطعام، يأخذوننا إلى أحد المطاعم، والمطاعم مزدحمة، وكلّ شيء بالدور، وعليك أن تنتظر حتى تفرغ إحدى الطاولات، كان مَن يرافقنا يتدبّر أمرنا، كوفد ضيف، وإذا احتجتَ إلى طلب حاجة فلا تستطيع أن تنقر على طرف الصحن لينتبهوا إليك، بل ترفع يدك، وتنتظر حتى يراك النادل، وعليك أن تعامله باحترام .

-” ألمانيا الشرقيّة” كانت واجهة المعسكر الاشتراكي، ولذا كان لها من الاهتمام ما يجعل منها قبلة تتطلّع إليها العيون والقلوب.

-الأسعار هنا واحدة في طول البلاد وعرضها، من أكبر مركز تجاري إلى أقاصي القرى، وهي أسعار رخيصة إذا ما قيست بأسعار البلدان الأوروبيّة المجاورة الرأسماليّة،

-في ” برلين الشرقيّة” يوجد برج عال جداً، وفي أعلاه مطعم دوّار، أخذونا باتّجاهه، كالعادة كان الطابور، وتصرّفت مرافقتنا كيلا ننتظر الدور كوفد أدباء ضيوف، تقديري أنّ المصعد السريع الذي أقلّنا إلى الأعالي بقي قرابة ربع ساعة، وربّما تزيد حتى وصلنا إلى المطعم، جلسنا على إحدى الطاولات، وانتظرنا تلبية ما طلبناه من طعام وشراب، والمطعم يدور دورانا بطيئا ما نكاد نشعر به، بيد أنّ المنظر كان يتغيّر، فنحن نطلّ من علٍ على “برلين الغربيّة”، وعلى فضاءات واسعة ، صحيح أنّ الوقت بعد المساء، وانهار الأضواء تنساب في كلّ مكان، وسرعة السيارات، وتدفّق شريانات الحياة،..ورغم هذا الوقت فقد كنّا في نهار مشوب بشيء من ظلمة الليل، 

-المتاحف التي زرناها فيها كنوز من الآثار القديمة والحديثة لا تُقدَّر بثمن، وكنّا ما أن ندخل متحفاً حتى نخلع أحذيتنا، ونلبس أحذية من لبّاد، ونتجوّل، للمحافظة على نظافة المكان، ولكيلا يصدر أيّ ضجيج لا يتناسب مع روح الموجودات، ودلالاتها الفنيّة الرائعة،

قرب أحد المتاحف كان ثمّة حديقة واسعة، لاوجود فيها إلاّ للخضرة، والصمت البليغ، وفي البعيد منها شاهدت مسجداً صغيرا، فسألت باستغراب، فقيل لي أنّ أحد حكام هذه المقاطعة، في القرون الوسطى، شاهد في تركيّا مسجدا، فأعجبه بناؤه، فطلب أن يُبنى هذا المسجد في هذه البقعة، كشاهد فنّيّ…

عبد الكريم النّاعم

aaalnaem@gmail.com

المزيد...
آخر الأخبار