“تحية الصباح”…. لِمَنْ يصنع هذا الكهلُ سريراً؟! *

ذات صباح مشرق وَضِيء رأيته، بدا من سَحْنِتِه، ومن وجهه الأسمر النّضير، لكأنّه كهلٌ قد نطحَ الأربعين من العمر أو أزْيَد؛ في وقفته الجليلة وهو يعمل بدأبٍ، خِلتُه شاباً بِمقتبل العمر، وميعة الصّبا، قلتُ بِسرِّي: يا الله، لِمَن يصنع هذا الكهلُ/ الشّاب سريراً أو مقعداً أو طاولة من الخشب؟ أهو نجّارٌ ماهرٌ بصناعة الأدوات البِدائيّة البسيطة؟ أم أنه يتعدّى على حرفة النّجارة تعدّياً؟ أيمكن أن يكون هذا السّرير لأجل طفلٍ من أطفاله؟ أو لواحدٍ منْ أحفاده؟ أيمكن أن يكون لشابّين مُقبلَين على الزّواج، بعد فترة خطوبةٍ دامت بضعَ سنين؟ أم لأحد أصدقائه الأوفياء، الذي كان له نِعم الصّديق وقت الضّيق والأزمات؟ هذا الرّجل الكهل، لا أعرف اسمه، لا أرى عينيه جيّداً، بل أرى شخصاً كَهْلاً أعياه التّعب، بعد يومٍ طويلٍ من عرق الشّمس! ثمّة الملامح المُعبّرة، واليدان القويّتان المَمْهورَتان بسنوات الكهولة التي تبدو للناظر إليها “كهولة شابّة”، فيها النّضارة والبريق وشرايين البأس! وهو نفسه، حين يقوم بتصنيع أحد المقاعد الخشبيّة، لا يدري مَنْ سيجلس عليه يوماً، الأهمّ بالنّسبة إليه، أنّه الآن منهمك في عمله السّامي، وسعيه الجليل، بقوّة وثبات، بل باستنادٍ وارتكازٍ إلى سنوات طويلة أمضاها عاملاً من غير ضَعفٍ ولا خَوَر! نعم، من هذا الكهل، من أمثاله نتعلّم الكثير، بل من صورته البادِية نتعلّم احترام الحياة، التي إنْ كانت بلا عمل، ومن غير إثمار، إنّما هي أشبهُ ما تكون ببئرٍ خاوية، أو بشجرةٍ يابسة ، تبخل بثمرها على الآخرين، لأنّها شحيحة، بلا نفع أو عطاء!

مِن هذا الرّجل الكهل، من حبّات العرق المُنساب من مطر عينيه، من عنقه، من جسده بعامّة، نتعلّم الصّبر والتحدّي والجَمَال وعشق الحياة، ونضارة الأمل، والشاعر يقول: “ما أضْيقَ العَيْشَ لولا فُسْحَةُ الأملِ”..ها هو ينحنِي على الخشب البارد الصّامت، يقيس، ينشر، يجمع العناصر إلى بعضها بعضاً، يستعمل وحدة القياس، “المتر”، يستعمل المسامير والمِطرَقة والمنشار ومادّة الغِرَاء وما شابه، ليصنع شيئاً مفيداً، أو أثاثاُ لمنزل، يكوّن في جسده الحرِّ الطّليق خريطة لجدوديّته، والإنسان الذي لا يتّكِىء، ولا يستند إلى جُدوديّة قويّة ثابتة الجذور، كريمة الأصول والمَحْتِد، فإنّه سيعيش ضعيفاً طِيلة حياته!! نعم هذا الكهل – النجّار، هو إنسان له معنى ورسالة، له كيان وثقافة وقامة ناهضة، ولم يكنْ يوماً عالَة على غيره منْ أهله أو سواهم! هذا الرّجل يعيش بلا ضجيج، يعمل بصمت، يعيش بصمت، يأكل بصمت، وبصمتٍ يحبّ حياته في حدّها الأعلى والأجمَل، كما لو أنّ العالم كلّه يخلو من الضّجيج، وقرقعة الآلات، وأبواق السيّارات، وثرثرة المُثَرْثِرِين، وهو نفسه لا يُكلّف هذا العالَم شيئاً، لا يؤذيه، لا يتعدّى عليه، لا يناكفُه، فهو يعشق الصّمت، والصّمت يعشقه، لكأنّ بينهما معاهدة عدم اعتداء، لا تزال سارية المفعول.. هذه الصّنعة اليدويّة القديمة، المُحبّبة بالنسبة إليه، هي في نظره، أخفُّ وزناً منْ ريشة حمامة بألوان مُزَرْكَشَة! هي ذي مهنته المفضّلة منذ نعومة أظفاره، هي ذي ثقافته التي ورثها عنْ أبيه ابتداءً، وأبوه ورثها أيضاً عنْ أبيه، إذن هي مهنة مُتوارَثة، و”الحاجةُ أمُّ الاختراع”، كما ورد عن السّلف! نعم نحتاجه، نحتاج فلسفته وحكمته، نحتاج أمثاله في الحياة، كي تستمرّ العجلة في الدّوران، هو أشبه ما يكون بملح الأرض، واتّقاد الذّاكرة، ومطلع القصيدة، وبراءة الأطفال.. وليس أجمل في بُكْرَةِ الصباح، أيّ صباح، من أنْ يرى أحدُنا بقيّةً من أجداده، وهم يعملون بأيديهم السّمْحَاء، الأشبه بمادّة الفولاذ، بدون أنْ يحتاجوا إلى ذكاء الآلات الصناعيّة، أو إلى عقول الحواسِيب، أو إلى مفرزات العصر والتكنولوجيا المُعَقّدة، كما لو أنّ هؤلاء الأجْداد الأفاضل، بأصالتهم المشهودة، وإرثهم المجيد، ووجدانهم المُشِعّ، يسخرون من فلسفة الحداثة، ونظريّات العاطِلين، وتقوّلات السّخفاء.. هذا الكهل الذي مَرَرْنا على نُبذة عن سيرته الذاتيّة، رجل له معنى من الإعراب، لديه أفكار مُضِيئة تَسَعُ الكون، وثقافة يجهلها كثيرٌ من البشر، فهو لا يحتاج إلى أحد، لأنَّ عرقه الصّبِيب يكفيه مؤونة الناس أو سؤالهم، وهذا كلّه مبعثُ قوته، وسرُّ رضاه، وهو في المبتدأ والخبر، الرّوايةُ الجميلةُ التي تُعلّمنا الكثيرَ اليومَ وغداً، وفي كلِّ حين…    

وجيه حسن

المزيد...
آخر الأخبار