كما تصفَ سيدة البيت الماهرة لفائف ورق العنب المحشوة بالأرز واللحم في طنجرة الطبخ متلاصقة , متلاحمة .. هكذا يصفَ سائق سيارة السرفيس المتجهة من حمص إلى طرطوس – مثلا – ركابه الذين يهجمون إلى باب السيرفيس المتوقف للتو في موقع مخصص لهذه الغاية وسط كراج حمص الشمالي .. ظهر يوم الخميس .. حيث تختبئ السرافيس في المكان , ويظهرون واحداً تلو الآخر في لعبة غايتها جمع المال فقط !! ليست مبالغة .. هو واقع معلن لكل من يقف لدقائق فقط في المكان . الأسوأ .. أن الكل يريد الصعود والحصول على موطئ قدم في السيرفيس دون النظر إلى الحال ..وواقعه !! سيرفيس يتسع لـ14 راكباً .. يحمَل , وبصفَة ورق العنب 18 أو 20 .. طبعاً الأطفال لا أحد يراهم , أو يحسب لهم أي حساب .. هم تكملة عدد بالنسبة لأهلهم أولاً , وللسائق الكريم .. أما الطريقة فسهلة جداً .. السائق الخبير يدسَ الشاب النحيل , أو الشابة النحيلة – لا يهم – في صف بين ثلاثة ركاب , أو حتى أربعة .. والأمر طبيعي .. فالغاية تبرر الوسيلة . هناك .. لا يوجد شرطي مرور , ولا مسؤول يرى , ويراقب ما يحدث .. حين قلت للسائق – الطبَاخ – باستغراب , ورفض للواقع : ألم تسمع بشيء اسمه كورونا !! أجابني بتهكم : لا والله .. شكرا أنك أخبرتني !! طبعاً.. أجرة النقل المطبوعة بوضوح على مقدمة السيارة من الداخل 800 ليرة سورية .. يتقاضاها السائق بكل ثقة و- منيَة – ألفاً .. والعجيب .. أن لا أحد من الركاب يحتج , أو يقلق لا من زيادة في الأجرة , ولا من حالة المكدوس , أو الورق العنب المطبوخ على نار هادئة تارة , وعلى سرعة تتجاوز المعقول تارة أخرى .. وحسب السوق !! فالكل مستعجل , والوقت من ماس .. المهم النتيجة .. والوصول قبل ضياع الوقت . والعجيب .. أنه حين يمتلئ السيرفيس بالركاب في ساحة الكراج , وقبل بدء الرحلة يظهر السرفيس الآخر من الخفاء كالسحر .. يتوسط الموقع , ويعاد رسم المشهد من جديد .. والشجاع من يتفوه بكلمة .. عفواً .. المغضوب عليه هو من يرفض هذا الواقع .. هي ليست نتائج حرب , ولا فقر .. كما يدَعون .. هي قلة ضمير , ووعي , ووجدان .. فعندما تغيب الرقابة ينتشر الفساد , والصورة هذه .. صورة مصغَرة لواقع حزين نعيشه بصمت . في حمص .. جرب أن تركب باص نقل جماعي لترى الفقر بعينيك يبكي .. الفقر يبكي .. نعم .. لا تستغرب .. والازدحام يصرخ , فتلاصق الناس أصعب من أن يوصف .. حيث تضطر بعض النسوة للجلوس على أرض الباص بين أرجل الواقفين , لتنتشر الأحاديث وتتداخل في فضاء مغلق مزدحم بالأنفاس , وكأنهم في مقهى وسط غابة فسيحة !! حتى أن السائق لا يسمع نداءات الراغبين بالنزول , وقد وصلوا إلى محطاتهم . هي صورة مصغرة عن واقع نقل سيء في حمص , وحيث يتجه السوري اليوم .. واقع يجب أن يحظى باهتمام المعنيين بالأمر , والعمل على تصحيحه .. وعلى الأمل نعيش , والأمل بالعمل .
سعاد سليمان