ترامت همهمات الحياة أصورة لإنسان التاريخ , وما قبله, وتراءت أنموذجات من نقوش وصور , ومرتسمات لآثار , وأضحت الكهوف متاحف بجدرانها لتأتي تلك الهمهمات , وهاتيك النأمات الصوتية من أعماق الأزمنة حكايات وسرديات لعوالم من رؤى وتصورات , ودنيا من أنماط سلوكية , ومعطيات حياتية , ومقاربات , هي حراك الإنسان في مدارات الوجود تعاقب صيرورة في مسار أزمان… أجل ! تقدّمت تلك النقوش والرسومات والآثار صدارة التعبير لكثير من حيوات , ومردّ صدارتها تأخر معرفة الإنسان بالكتابة .. في عصر شبه الكتابة , في بلاد الرافدين وبداية عصر السلالات في مصر , حيث متّسع لواقع معيش آنذاك . ولاشكّ أن تلك النقوش والصور والآثار كانت تدوينا فنيا , لكن من نوع آخر , قدّم ذاته بقدراته , ومع تنامي الحياة , وفعل الإنسان في توكيد ذاته كان يعدد الوسائل للتعبير عن مكنوناته وما يرتبط بها , فجاءت الوسيلة عبر الشفاهية , وتذكر كتب تأريخ الأدب أنه لا يوجد راوٍ ثقة يزعم أن شاعراً في الجاهلية ألقى قصيدته من صحيفة مدوّنة , بل كان ينشدها معتمد التذكر مهارة ودربة , إلى أن عُرفت الكتابة في الخطوط , الخطّ المسماري في العراق لدى الأكّاديين , وخط المسند لدى عرب الجنوب وتلا ذلك من خطوط لحيانية وثمودية .. هي نقوش كتبت بالخط المعيني الجنوبي , وخصائصها اللغوية قريبة من خصائص العربية ليتطور الخط النبطي الآرامي إلى الخط العربي الذي كتب به القرآن الكريم… وهكذا درج الخط العربي نابضا بغنى التفاعل البنيوي لثنائية الإنسان والحياة , وواقع المثاقفة مابين حاجات وضرورات , وإعمال تفكير وابتكارات فجاءت الحروف قيماً تعبيرية في غُزاها , و أصواتاً في دلالاتها : أكانت بذاتها منفصلة أم مقاطعَ , أم بنى في كلمات , أو أضمومات في تراكيب وجملاً وعبارات ولتحقق ذواتها فعل صناعة بشرية تنقل ما في العقل والوجدان من سيولة ذهنية لتتجسّد كلمات سوداء على قراطيس بيضاء , مدادها وعي الحياة , وصورها وقع آثار لخطوط , عراقتها ما بين تليد و طريف .. وعلى سطوحها بريق نضارة مضامينها حال حبات ندى في أكمام ورد باكَرَها شعاع الصباح فأثملها نضارة جمال إلى جمال , وماضٍ إلى لاحق .. أو حبيبات ماء على شفيف وريقات تداعب أغصانها , وقد هزّها وسميّ من غيث في إرهاصات ديم تلوّح لألف حقل وحقل بخير وعطاء .. هكذا هو فعل المحتوى على مساكب الحروف , إذ هي كلمات وتعابير مزركشة على استواء خطوط مهارة إتقان تتملّى به العين جمالا ، وهو ذاك الوشيّ المطرّز ذوائب من سوسناتٍ، أو خُصلٍ من مضفورِ وردٍ منتور على وجنات الصّحائف، لكأنّ التّدوين به، وله، عزفُ نايٍ على رقيق وتر, أو بوح إيقاع على صقيل همس في أعماق السحر … وتروح به البصيرة تأمل إبداع ومهارة , ودهش مضمون في عبارة فيغدو المشهد معلما من صروح , أين منه قول أمام وقار صمت ؟! . هو الخط مهارة فنّ وفنان , ويقظة وجدان دافق بالحب والحنان لغنائية الروح في ملامسة جمر الدلالة في مهابة الرسم المغناج لحرف وحروف وكلمات وهي تتمطّى خفراً بكبرياء الحياء صدى لحذاقة عازف بنثر حروفه بذار نقاط تتأتى حروفا وكلمات .. لكأنها صور ومشهديات للوحات وأيقونات مابين إلهام ودربة حرفية المقاربة بأناة الجلد , وغواية الصبر أغاريد ولادات من رحم الإبداع. هو الخط , حلية الكاتب , ومرآة تذوقه , ومهارة الصوغ في عمرانية الإتقان ودهش الأناقة على مطارح النبوغ … وهو الخط محط البحث والتاريخ والفن , والغاية في جماليات الذوق والتربية وكياسة التفرّد به مهارة إتقان , وجمالية تعبير في وضوح ترفيف وترتيب لحروف وكلمات , ولقد قال/ القلقشندي / في كتابه (( صبح الأعشى )) : مَنْ لم يكتب فيمنه يسرى … وقال الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ (( إن حُسن الخط يزيد الحق وضوحاً)).
إنه الخط أنواع مابين نسخ ورقعة وثلث , وكوفي , وفارسي , وديواني وغير ذلك . ولكل نوع نقاطه رسماً , وقواعده , ومجالاته , وطرائق رسمه الهندسي , وأثره في المتلقي , وتاريخ نشأته وظروفه , وأسباب تسميته , ومواطن جمالياته . ترانا ندرك انبهار النفس في جماليات وحروف وكلمات تنبض بها حروف , ونعجب بجماليات خطوط تقرؤها مخطوطات , وترانا نحثّ الخطا دروبا من مثابرة لنجعل الحرف يغني صداحاً , ونحن نرسمه في دفاتر أيامنا , فناً لأنه ديدننا من ارتعاشات الصغر إلى ما امتدّ بنا العمر تخوماً فيه مرآة ذواتنا لما تكتسب من معارف في مدارج صفوفنا , وبه ندرج في مدارج أعمارنا فصول حيوات متعاقبة الأزمان أعماراً. ومناهجنا ثرية بالخط عناية ودروسا ودربة مهارات سعة تذوق وجمالية لغة عربية بزركشات خطوطها . كثيرون عباقرة الخط ومبدعوه في وطننا. فمن ((حمص)) صاحب المدرسة العدنانية عدنان الشيخ عثمان الذي أبدع ابتكاراً في الخط مهارة لوحات جاعلا منه قيمة تعبيرية وجمالية , ليغدو علَماً في هذا المضمار , وتراه يُسعد بإجازة من يسير على سموّ هذه المهارة وقيمها خدمة للغتنا وجمالياتها من أمثال المبدع لقمان نجيب الحمدان فيكتب عنه حروفا تتقرّاها البصيرة تقديراً لسيرورة رسالة , ونبوغ مبدع : (( .. يملك خبرة مرموقة في ميدان الخط العربي بأنواعه , من خلال ممارسته له , عملا وتعليما , عبر سنوات مديدة , وهو من القلائل المخلصين الذين يعملون بصمت في خدمة هذا الفن العربي الأصيل , ومحاولة نشر قيمه الجمالية والتربوية لتعريف الأجيال الصاعدة بها , والارتقاء بالذوق العام لديها.. .
نزار بدّور …