أقمشة مملكة قطنا « المشرفة » ..الملونة بالأرجوان الأقدم في العالم

يحتضن بلدنا آلاف المواقع الأثرية ، بعضها تم التنقيب والكشف عنه وبعضها الآخر لم يكتشف بعد, ومحافظة حمص غنية بالمواقع الأثرية المتميزة والنادرة كتدمر وقلعة الحصن وتل قادش ومملكة قطنا والتي تقع في تل المشرفة الواقع على بعد 18 كم شمال شرقي حمص حيث تأسست قطنا القديمة على الطرف الشرقي من وادي العاصي الأخضر ،وتقع المدينة القديمة وسط سهل شبه أفقي تقطعه وديان لثلاثة جداول صغيرة تتجه شمالاً لتشكل روافد العاصي, واستغل حكام قطنا موقع مدينتهم المتميز جغرافياً فتحولت إلى منطقة عبور أساسية في قلب سورية ، تعبرها القوافل التجارية المتجهة من بلاد الرافدين شرقاً إلى ساحل البحر المتوسط غرباً ومن حلب شمالاً إلى حازور في فلسطين جنوباً ، وكانت معبراً وملتقى للطرق الأساسية حيث اتخذتها القوافل محطة للاستراحة والتزود بالمواد الغذائية وتبادل السلع في سوقها النشطة أما المواد الواردة إليها فكان أبرزها القصدير المرسل من مملكة ماري التي كانت تحصل عليه من مصدره الرئيسي من شمال غرب إيران ثم تصديره إلى مناطق سورية الداخلية والساحلية وتشير النصوص إلى أن المملكة تمكنت في عصر البرونز من إنتاج خيوط صوفية وبدقة عالية إضافة لوجود مراكز تجارية أو اتحاد تجار فيها ومثل هذه التنظيمات لم تكن موجودة إلا في المدن الهامة والمتميزة على طرق القوافل التجارية.
يقول الدكتور محمود السيد قارئ النقوش الكتابية القديمة في المديرية العامة للآثار والمتاحف: إن مملكة قطنا في عصر البرونز تمكنت من إنتاج خيوط صوفية ناعمة كالشعر وبدرجة عالية من الدقة ولا يمكن تحقيقها اليوم حتى ولا بأحدث التقنيات وتتميز بكثافة عالية جداً تصل إلى 70 خيطاً في السنتيمتر المربع الواحد وتتراوح ثخانة الخيط الواحد ما بين 60و80 ميكرو متراً أي أن قطر الخيط كان يساوي قطر شعرة الرأس البشري.
وتم صبغ الأقمشة بالأرجوان كونه لا يتأثر بالغسيل أو الضوء وبعد 1500 سنة صنعت أقمشة صوفية ذات درجة مماثلة من الكثافة العالية في عدد الخيوط التي عثر عليها في القبور البرجية الرومانية في تدمر وتعتبر أقمشة مملكة قطنا أقدم أقمشة ملونة بالأرجوان في العالم وتقدم ملبوسات قطنا أقدم دليل في العالم على تدرج الألوان المختلفة للون الأرجواني داخل حلقة واحدة من النقشات، فتنوعت الألوان من الأحمر المائل إلى الأرجواني عبر البنفسجي والأزرق علماً أن جميع تدرجات الألوان تحتوي على أرجوان أصلي وبذلك يكون قماش مملكة قطنا هو أقدم قماش ملون بالأرجوان في العالم وأهم مصدر أصيل لحقل التدرجات المختلفة للون الأرجواني.
وأضاف :كانت تتم الصباغة بالأرجوان من خلال استخراج المادة الملونة من العصارة الغدية لأنواع مختلفة من الصدف البحري وفي بادئ الأمر تكون مادة التلوين الأرجواني بلا لون لذلك يجب تعريضها للضوء لكي ينشأ لونها النهائي وتتأثر درجة اللون بنوع وعمر وجنس وتغذية الأصداف ومنشئها الجغرافي وحداثة صيدها وتركيز حمام الصباغة ومدته وطبيعة المادة الأولية المراد صباغتها وبعد تغطيس مواد النسيج الأولية (صوف، حرير، قطن، كتان) في حمام الصباغة, تجفف في الهواء لتتحول المادة الملونة بالأكسدة إلى مادة صباغية لا تنحل في الماء ولا تتأثر بالضوء.
وأشار الباحث السيد إلى أنه عثر في المدفن الملكي في قطنا والمؤرخ بعصر البرونز الحديث على قطع صغيرة جداً من القماش خضعت خلال آلاف السنين إلى عملية تمعدن نادرة الحدوث جداً في العالم فقد تحولت المادة العضوية المؤلفة من ألياف إلى جص بالكامل ولم يعد من الممكن تمييزها في اللون والتركيب عن الطبقات الأرضية الرسوبية ولكن يمكن بواسطة المجهر مشاهدة ألوانها الوضاءة وبنيتها النسيجية الناعمة وهذا ما يمنح المنسوجات الأثرية المكتشفة في سورية صفة التفرد والتميز عالمياً.

العروبة – الأخبار

المزيد...
آخر الأخبار