يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حمص
طباعةحفظ


تدمر في شعر ياسين فرجاني

6/12/2009
الشاعر ياسين فرجاني ابن مدينة تدمر 0الغافية على رمال الأمجاد

والتي وقف التاريخ عندها وقفات طويلة 00تدمر المدينة الأثرية التي تختزن في أوابدها عراقة الماضي 00وأصالة الفن والسحر لم تغب عن بال شاعرنا الذي أحبها وغناها أجمل القوافي والألحان 00لقد سكنت قلبه وسيطرت على كل مشاعره وأحاسيسه فكتب لها الكثير00وأفرد لها ديواناً شعرياً خاصاً بها سماه (واحة الزيتون )قصائد تدمرية 00بعناوين مختلفة 0يقول مخاطباً تدمر 00الواحة الجميلة الخضراء المزروعة بأشجار الزيتون والنخيل الكثيفة : واحة الزيتون والدرب سنا مرّ بالسفح 00وجاز المنحنى قبل الوادي وفي 00أجفانه حلمه الضاحي رغاب ومنى جنة الحسن على أفنانها أينع السحر وطاب المجتنى وكيف لا تسحره 00وتشده هذه المدينة الغالية 00وهي أرض آبائه وأجداده وملاعب طفولته 00على رمالها درج طفلاً صغيراً وفي مدارسها تعلم وبين حجارتها وأطلالها وتحت أفياء واحتها لعب 00ولها 00وفي نبعها الكبريتي الصافي الرقراق واستحم وابترد إنها عروسة الصحراء0ولؤلؤتها المشعة ألقاً وحضارة ومجداً وسحراً -المدينة العابقة بصهيل الأمجاد 00التي أحبها كثيراً وخلف فيها أجمل ذكريات شبابه ولم يتغير هذا الحب اللاهب بالشوق وهذا ما عبر عنه شاعرنا في قصيدته (في الطريق إلى تدمر) حيث يقول: أتيت وأغرودة تُسكِرُ أماني من غفوة تنشر هواي هواي على عهده لهيب من الوجد(يا تدمر) إنه المحب والعاشق لها 00وها هو يعود إليها بعد غياب 00والشوق يغمره 00وقلبه يطير فرحاً 00وحنيناً 00وتتراءى له عروسة جميلة وفتنة من السحر والجمال 00غادة مغناج تسبي عاشقيها ويتجلى هذا الحب الشديد في قصيدته (حبيبتي تدمر) التي يصف فيها لوعته قائلاً: عدتُ والشوق إليها غامري وفؤادي في جناحي طائر يسبق الطرف شراعي نحوها في خضمٍ من حنين زاخر هذه تدمر من خلف الربا تتجلى فتنة 00للناظر غادة تسبي بثغرٍ باسمٍ عاشقيها 00وبطرف فاتر ومن خلال قصيدته هذه يصفها أجمل وصف حسي مادي رائع 00فتدمر الواحة الجميلة الظليلة تارة 00وأخرى كالماسة الثمينة المشعة في خاتم ثمين دقيق الصنع 00لا شبيه له فيقول: واحة فيروزة في خاتم مترف الصنع يتيم نادر وهو لا ينسى تراب تدمر00ورمالها00ووديانها00وبروحه يفدي ترابها العاطر ومن دموعه الغزيرة يسقيه ليظل رطباً ندياً ذاك التراب الذي أودع فيه رفات أمه وأبيه 00في وادٍ رحيب طاهر 00وما أغلاه : وبروحي تربة أغليتها سقيت من فيض دمعي الهامر تربة أودعت أمي وأبي قرب واديها الرحيب الطاهر ولم ينس الشاعر طبيعة تدمر الساحرة الهادئة 00وكيف لا وحبها في قلبه 00فوصف صباحها الجميل 00وليلها المقمر الآسر 00قائلاً فيها: أين مني غدوة في تدمر ورََواحٌ تحت ليل 00مقمر وأطلالها وأوابدها التاريخية 00ما تزال شامخة رغم آلاف السنين شاهدة حية تنطق بالروعة 00وعظمة الأجداد الذين بنوها وما أجملها 00يقول في وصفها : بين أطلالٍ روانٍ أبداً ما ثلات في رحاب الأدهر ناطقات روعة في كل ما أسفرت عنه وما لم تسفر وستبقى تدمر 00أغنية المجد الأبدية التي ترددها الأجيال على مدى الزمان وسيبقى العرب 00والعالم أجمع يتذكر ملكتها العظيمة (زنوبيا)وبطولتها وأمجادها وفتوحاتها:هكذا يخبرنا عنها شاعرنا بقوله : تدمر الزهراء 00يا أنشودةً رددتها سالفات الأعصر غنت الدنيا بها(زنوبيا) عَرباً فوق متون الضمر إن صورة مدينته 00راحتها وأطلالها وسحر جوّها ظلت مرتسمة في مخيلة الشاعر00وذاكرته لا تبارحه أبداً وها هو يعود ليرسمها لنا في لوحات من الشعر الأصيل 00والصور الحية النابضة بالحركة والحياة إن حبه لها يتأجج في وجدانه ويتغلغل في أعماقه ودمائه 00ولها حضورها الدائم إذ يقف شاعرنا عاجزاً مذهولاً أمام عظمة الأجداد 00والأمجاد والبناء الذي لا مثيل له فيقول : هذي الأوابد في التاريخ معرقةٌ ما مثلهن بنى فيما مضى بآن لو كان للنجم أن يختار منزلةً غير الأثير لكنت الموطن الثاني ورغم البعد 00وجراح النوى التي آلمته 00وعصفت في قلبه المفعم بالحب لتدمر سيبقى وفياً لها 00يتذكرها 00ولن ينساها 00تلك الأم التي أرضعته حليب الحب 00والوفاء 00وعهده باق 00لا يتغير أبداً نحوها فيقول مخاطباً إياها بلفظ الأم 00وأي لفظ أجمل وأروع وأغلى منه متمنياً أن يعود شاباً متذكراً أمسه الذي مضى 00وذكريات عمره التي يغتلي حبها في قلبه قائلاً: أنا ياأم على العهد وإن عصفت بي ريح نأي فاعذري أذكر الأمس فوجد يغتلي في فؤادي وحنين يعتري ليت أن العمر ما زال بنا عند أعتاب الصبا لم يكبر هذه تدمر00حبيبة ومدينة الشاعر التي نمى حبها 00وتوهج في قلبه وغناها أجمل قصائده العذاب ولم ينسها وهو في أشد حالات المرض 00ولم يتوقف عن البوح لها 00ونقل مشاعره وأحاسيسه الصادقة 00وتسجيل حالات الوجد والعشق معلناً حبه العظيم لها الذي لا تمحوه السنون 00وهو أسير حب كبير لها كما يقول : كل حب زائل غير الذي لك مني فسيبقى آسري هكذا وقف شاعر تدمر الكبير ياسين فرجاني حبه لتدمر أهلاً وأرضاً مؤكداً حقيقة حية بأنه باق على العهد لها ولا يمكن نسيانها رغم مرور الزمن فقلبه سيظل معلقاً 00وخفاقاً بها 00وأجمل الحب هو حب الأهل والأرض والوطن 00وما أنبل هذا الحب الصادق 00الطاهر العابق بشذى الشوق والحنين والذكريات 00وقد عبر عنه شاعرنا أجمل وأبلغ 00وأصدق تعبير عندما خاطب حبيبته ومدينته الخالدة تدمر قائلاً : بيني وبينك عهدٌلست أخفره تفنى الليالي وعهدي ليس بالفاني والحب أنبله معنى وعاطفة ما كان وقفاً على أهلٍ وأوطانِ * * * هوامش:ديوان واحة الزيتون -قصائد تدمرية شعر ياسين فرجاني دار المعارف حمص /1993. ٭ برهان الشليل‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

E - mail: ouroba@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية