يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حمص
طباعةحفظ


محمود تيمور رائد القصة القصيرة

الجمعة 18/11/2005
عصام شرتح

محمود تيمور رائد القصة القصيرة برغم من سبقه من كتاب القصة ومن عاصره , وذلك لأنه استطاع ان يرسي دعائمها , ويثبت اركانها , ويضع الاسس السليمة لبناء هذا الفن الجديد, ومن هنا لم يكن مجرد رائد بل كان أحد الذين صرفوا جهدهم كله او معظمه

لتعليم جيل كبير من الكتاب اصول هذا الفن الذي برع فيه براعة جعلت منه مسلما فذا« , فكانت خطوطه الاولى التي وضعها منهلا« استقى منه تلاميذه وابدعوا ثم اضافوا , ثم اتسعت وانتشرت وجوه واتجاهات هذا الفن حتى تعددت مذاهبه , وحتى اصبحت القصة اليوم من اكثر فنون الادب قدرة على التعبير عن قضايا الحياة والانسان , واصبحت الوسيلة الاولى في نقل صورة حية عن مشاكل الانسان المعاصر وازماته , وفكره وطموحاته , وطرحت العديد من التساؤلات التي لم يقو على طرحها فن آخر من فنون الادب , ومع ذلك يبقى الفضل لمحمود تيمور الذي أرسى دعائم أول بناء فني متين لهذا الفن الجديد , فكان البذرة وكان المستقبل في آن واحد.‏

واذا حاولنا ان نضع محمود تيمور في اتجاهه الفني بين كتاب القصة ممن سبقوه وان نحدد موقفه الفني بين من عاصروه وسبقوه فإننا نستطيع ان نراه صاحب موقف ورؤية يختلف فيهما عن اقرانه .‏

فإذا كانت القصة قد بدأت بالاتجاه التاريخي عند جورجي زيدان , ثم تطور هذا الاتجاه شيئا ما عند » فريد ابو حديد « الذي ارتقى بالاتجاه التاريخي واضاف اليه ,وحدد وسائله في قصته » الملك الضليل « و » زنوبيا« وجاء من بعده » علي احمد باكثير« الذي كتب قصة » اخناتون« و» سلامة القس« » وجهاد« وغير ذلك . ان ملامحها الظاهرة والباطنة اذا كانت قد بدأت عند المازني والعقاد في ابراهيم الكاتب وسارة واذا كان ادب الفكرة قد ظهر عند توفيق الحكيم فيما اصدر من روايات ومسرحيات واذا كان ادب الانطلاقة الحرة ذات الموسيقى العذبة والعاطفة المتدفقة , قد ظهر عند طه حسين , فإن لدينا عند محمود تيمور مايخالف هذا كله حين يطالعنا بالادب الواقعي الذي برع فيه , وصار مؤسسا له , ومختلفا فيه عن غيره من كتاب القصة .‏

وليس هذا من قبيل التصنيف الدقيق القاطع , بل يمثل الى حد بعيد اتجاهات عامة لا تزعم ان بينها فواصل قاطعة , فقد يكون في القصة التاريخية تحليل نفسي دقيق , وقد يكون في القصة التحليلية شيء من التاريخ والمجتمع , وقد يكون في الاتجاه الذهني عند توفيق الحكيم كثير من المواقف الواقعية , وكذلك قد يكون في الاتجاه الواقعي الذي تبناه تيمور المواقف التحليلية والنظرات التأملية الانسانية , ولكننا مع ذلك مطمئنون حين نريد التمييز بين هذه الاتجاهات التي اتسم بها ادباؤنا في تلك الفترة , مطمئنون الى تصنيفهم على هذا النحو الذي رأيناه لا يخلو من صدق وسلامة اذا اردنا التعميم لا التخصيص.‏

ولمحمود تيمور مجموعات قصصية عديدة منها مجموعة » شفاه غليظة« »وتمر حنة « وغير ذلك وله ايضا القصة الطويلة مثل » نداء المجهول«و» الريس حميدو « وغيرهما , وعلى الرغم من غزارة انتاج محمود تيمور فإنه قد استطاع ان يحقق الجودة العالمية ,والاتقان في الصنعة واناقة العرض ,ونصاعة التعبير والتمييز في رسم الشخصيات , والتعمق في فهمها وبسط مكنوناتها اثناء حدوث الفعل او الحدث والخروج بصورة حية نابضة عن كل شخصية يتناولها ثم دراسة سلوكها ومشاكلها وامراضها وسماتها النفسية , هذا بالاضافة الى علاقاتها الاجتماعية , وتفاعل الفرد وغيره وعلاقة الجميع بالبناء الاجتماعي الذي يسود حياتنا في الفترة التي عاشها محمود تيمور ولم يكن يصدر تيمور عن فلسفة اجتماعية معينة او عن ايديولوجية خاصة او مذهب من المذاهب المعاصرة ,ولكنه كان كاتبا له رؤيته النابعة من فهمه للحياة والانسان والمجتمع المصري ولم يكن يسعى الى تغيير البنية الاجتماعية بقدر ما كان ناقدا لها , ومدركا لطبيعتها فكان عرضه لها عرض اديب يستوعب مايجري امامه بدقة وامانة , ويطرحه من خلال رؤيته الناقدة المحللة .‏

في اطار فني محكم ومتماسك له جاذبيته ,واذا كان لنا أن نقف عند بعض ملامح تيمور الفكرية والفنية فتكفينا الاشارة الى ملامح ثلاثة كان لها أثر بالغ في تحديد عالم محمود تيمور الفني , كما كان لها دورها في تطور الكتابة القصصية بعامة .‏

أولها : صراع محمود تيمور الفكري الذي اختارة عن عمد ليكون اساسا« لمعظم كتاباته في عرضه للحياة في مجالاتها المختلفة اجتماعية واقتصادية ونفسية . اختار الكاتب الصراع الفكري وكان من أوائل من فتحوا هذا الباب لانه عنده امتع وأغنى , فعالمه عالم الرجل المفكر يتحدى الرجل الحسن , ولعل أخطر مالديه هو انه اول من نقل الصراع من مجال العاطفة والجسد والحسن الى مجال افكر , فلم يهدف الى إثارة الانفعالات بقدر ماكان همه ان يتعمق الاحداث والشخوص لكي يتيح لنا عرضا عن الانسان وقضاياه , وعن المرحلة التي نعيشها في تعقيدها وتشعب مدلولاتها ومشاكلها .‏

أما الملمح الثاني فهو براعته في رسم شخصياته واختيار نماذجه البشرية التي تطرح صورا« انسانية مختلفة , وتكشف عن جوانب فريدة في الطباع والسلوك , واهم من ذلك قدرته على تحليل هذه النماذج الفريدة وارجاع تصرفها وسلوكها الى ركائز في نفسيتها وبهذا كانت شخوصه مجالا« رحبا« لدراسة العديد من القضايا النفسية المرتبطة بداخائل النفس ونوازعها ,وكذلك بتأثره بالمجتمع الذي نشأت فيه الشخصية .‏

ومن هنا كان من الجائز للباحث في ادب محمود تيمور ان يجد خطا« عميقا« وفعالا« في ادبه هو ما يسميه بعض النقاد بالواقعية الفلسفية لحركة الانسان في المجتمع , أي البحث عن قضايا نفسية تحدد ملامح وسلوك الشخصية , وتضعها في مكانها من المجتمع الذي تعيش فيه , على نحو ما فعلت الدكتورة فردوس عبد الحميد في دراستها لهذا الجانب من ادب محمود تيمور من خلال مقارنتها الممتعة بين قصتين احداهما لمحمود تيمور وهي » الريس حميدو« والاخرى قصة » هو ثورن ويكفيلد«‏

ان أهم ما تتسم به شخصية » الريس حميدو« هذه الدراسة الممتعة التي قام بها محمود تيمور لهذه الشخصية , قد كانت السمة الفنية الغالبة على هذه الدراسة هي براعة المؤلف في تصوير العالم الداخلي للبطل , ولقد أعان الكاتب على هذا طبيعة فيه , وهي قدرته الفريدة على التأمل والتبصر وسبر اغوار النفس , ادراك خفاياها , وقد قال هو عن نفسه إنه لم يترك العقل وحده يقضي قضاءه فيما يرى أو يحس , وإنما استكمل وسائل الهداية عن طريق التأمل واستجلاء البصيرة والوجدان .‏

ولقد أعانه هذا كله على تحقيق هذه البراعة التي نراها في تصوير شخوصه والتعمق الى داخلها , ففي قصة الريس حميدو يعالج محمود تيمور قضية الكبر والتمرد عند بطله , وهما صفتان خطيرتان كان لهما تأثيرهما فيما ينتهي اليه البطل من العزلة , فقد كان لديه صلف حجبه عن عمله وعن الناس حتى أوشك ان يقضي على حياته بالعزلة او ان يصبح اخر الامر ميتا« بين الاحياء , وينتهي الى نوع من الموت سابق على الموت الطبيعي فالريس حميدو رجل يصدمك بكبريائه التي لا تتناسب مع مظهره الرث وبطالته وتشرده فهو يشمخ بأنفه في تعاظم رافضا« كل مايمس صلفه , ولقد ادى هذا الصلف بالريس حميدو الي نهاية تعيسة أو الى مأساة حقيقية , حين وجد نفسه نتيجة لكبريائه وتمرده معزولا وضائعا , ولم يعده الى توازنه وثباته إلا رجوعه الى العمل والانخراط في الحياة والمجتمع , وهنا يسترجع الريس حميدو ذاته الضائعة فتعود اليه الحياة .‏

أما الملمح الثالث فهو اسلوبه في الكتابة الذي عرف دائما بأنه اسلوب دقيق انيق لرجل يعرف اسرار اللغة ويحسن استخدامها , فأسلوبه اسلوب منبسط يكشف عن روح الكاتب ويحمل ايقاعه ويستمد حرارته من احساسه ومشاعره تنتظم عنده الافكار في ترتيب منطقي وتسلسل أخاذ . والوضوح عنده سمة ظاهرة , كذلك اتسمت لغته بالقدرة على التصوير , فكثيرا« ما ينشر صوره على طول عمله الفني بطريقة موحية , وقادرة على تكثيف المغزى العام الذي يريده , كما كانت معبرة دائما« عن الموقع وعن الشخصية التي تصدر عنها في تواؤم وانسجام , وقد كان بارعا« في التقاط الالفاظ التي تجمع بين العامية والفصحى , ونقصد بها الالفاظ التي تنتشر بين الناس , ولها في الوقت نفسه أصل عربي , وقد اشتهر بهذا بين كتاب عصره .‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

E - mail: ouroba@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية