يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حمص
طباعةحفظ


العوديسا الفلسطينية

الاثنين 22/9/2008
في ثلاثة مجلدات، أصدر بيت الشعر الفلسطيني في رام الله، الأعمال الشعرية للشاعر خالد

أبو خالد، حيث اختار لها وصفاً مختلفاً عما هو سائد في ماصدر من أعمال شعرية أو سردية، أما الوصف الذي اقترن بالمجلدات الثلاثة، فهو “الأفعال الشعرية”، وهو وصف له ما يبرره، حين يقترن بتجربة خالد أبو خالد. وجاءت الأفعال الشعرية، بعنوان “العوديسا الفلسطينية”، وفي هذا العنوان، اختلاف آخر، لأن معظم الأعمال الكاملة، تصدر بدون عنوان، إلاالقليل منها. إن الإختلاف الأول، حيث اختيار وصف الأفعال الشعرية، بديلاً عن الأعمال الشعرية، يعبر عن جوهر علاقة أبو خالد بالشعر، إذ من النادر، أن تتمحور حياة الشاعر، في الشعر، كما هو خالد أبو خالد، حتى كأن هذه العلاقة تحول بينه وبين، الكثير من مفردات الحياة و وسائل التعبير، بها وعنها، ولطالما ملأت القصيدة عليه حياته، وعوضته عن أشياء كثيرة، يمارسها سواه، فهو رسام موهوب، غير أن القصيدة شغلته عن الرسم، وشغلته حتى عن الكتابة الأخرى، فهو لم يكتب مقالات سياسية أو ثقافية، إلا في حالات نادرة واستثنائية، ولم يرتبط بكتابة حصة صحفية ثابتة، كما فعل ويفعل أصدقاؤه وأقرانه من الشعراء، ولم يرتبط بعمل أو وظيفة، إلا ماكان منهما، على تماس مع الشعر، فمنذ أن كتب قصيدته الأولى، وهو يعمل في مملكة القصيدة، شاعراً أو شاعراً، وسواء كان عاملاً يدوياً أو مذيعاً أو مقاتلاً، فإن الشاعر هو الذي يحدد طبيعة عمل، كل أولئك الذين كان “هم” خالد أبو خالد. غير ان الشعر، في تجربته، ليس سوى فلسطين، ولو حاول أو حاولنا، الفصل بينهما، بين الشعر وفلسطين، لانتهت، تجربته الغنية، إلى غير ماهي عليه، فقصيدته، أو لأقل تجربته الشعرية، كما عبـَّر عنها: “غير قابلة للتأويل الغريب، أو المغترب، فإما فلسطين وإما فلسطين، إما أن نكون وإما أن نكون”، ففلسطين أبو خالد، غير منكفئة في حدود السياسة، إنها قضية كونية، كما الشعر، ومن هنا يأتي الإرتباط بين الشعر وفلسطين “فهي شاسعة، وواسعة، وهي بلادنا التي نعطيها، فتحملنا إلى الكون، مذكرةً، إنها الإسم الحركي له، ولوطننا العربي”. وحين أتوقف، عند عنوان الأفعال الشعرية “العوديسا الفلسطينية”، والذي عـلّق عليه الشاعر خيري منصور بالقول: “إنه بقدر مايعبر عن جوهر القضية الفلسطينية، فهو يعبر عن وعي الشاعر بقصيدته وموقفه منها”. إنه، يوحد بين حق العودة إلى فلسطين، والأوديسا الإغريقية، بين الفلسطيني وعوليس، بين معاناة الطريق إلى إيثاكا، ومعاناة الطريق إلى فلسطين. إن العوديسا، مفردة أساسية في جملة وعي الشاعر بقضيته، فإن عدنا الى “فيرجيل” في “الإنياده”، اكتشفنا إن “الأوديسة” هي الرحلة الملحمية، في العودة الى الوطن، بعد عشر سنين من حصار طروادة والقتال على أسوارها، حيث سيصل عوليس الى “إيثاكا” بعد عذابات طويلة ومضنية، صارت أمثولة للأصرار والصلابة، والإيمان بالوصول الى الهدف، وقبل ذلك، فإن إقدام “باريس” على اختطاف “هيلانه” لن يمر بدون عقاب، حتى وإن طال الزمن. إن الوحدة، بين الشاعر وفلسطين وقصيدته، نجدها لدى الكثيرين من الشعراء الفلسطينيين والعرب، غير أنها، في تجربة خالد أبو خالد، تنحو منحى، يتوحد فيه الإبداعي والنضالي، ويتداخل فيه الآني والتاريخي، وإن هذه الخصوصية، نتاج خصوصية الواقع في حياته، التي عمـَّقت ماهو عام، ومنحته بعداً مثالياً، وإذ كان أبو خالد واحداً من ملايين الفلسطينيين الذين عاشوا عقابيل النكبة، وعرفوا عذابات المنافي وتجاوزات قوانين التجزئة، فإن له من فرادة تجربته الحياتية، وانعكاساتها على تجربته الثقافية بعامة والإبداعية بخاصة، ما مـيَّزهُ، رغم الخراب، حيث كان ومازال، شامخاً في ثوابته، وظلَّ بمنأى عن كل “قناعات” المبررات السياسية، التي دفعت بالبعض الى الضد مماكتبوا وقالوا، ويبدو لي إنه وجد في إرثه العائلي، من الثروة المعنوية، مايعوضه عن عسرٍ، ويحصنه من ضعف، وليس متاحاً لكل فلسطيني، أن يكون إبن الثائر الشهيد محمد صالح أبو خالد، أبرز القادة الميدانيين في انتفاضة القسّام، والذي تصفه وثائق الإنتفاضة بـ “الإستقامة والعفّة والإخلاص” وحيث ظلَّ الطفل اليتيم يسمع، من يردد أبيات “ أبو سلمى” في رثاء أبيه الشهيد: وقفتُ أُناجي سيلةَ الظهر باكيــا وأذللت دمعي بعدما كانَ عاصيا أنادي فتى فتيانها حامي الحـمى أبا خـــالد هلاّ أجبــت المنــاديـا وماكان متاحاً لكل فلسطيني، أن يكون الإبن الروحي للشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، وقد قاتل بمعية أبيه، وعدّ الطفل اليتيم إبناً له، بعد استشهاد أبيه ووفاة جدّه، وليس متاحاً لكل إنسان، أن يعيش العوديسا الفلسطينية التي عاشها، يتيماً مشرّداً وفقيراً وكادحاً ومقاتلاً شجاعاً ومطارداً صابراً. إنه كما وصفه الشاعر الفلسطيني مراد السوداني: “كنعان الفتى، العصي على الإنكسار والتشظّي، مقتحم على الدوام، له شهوة البرق ونفاذ البصيرة الدائم، صلب في زمن رخو، خلق لزمن غير زمن هذا الكنعان الفتى”. وهو: “الذي استطاع، أن يؤسس سياقه الشعري المختلف، وقدّم أنموذجاً للشاعر الفارس، في زمن غاب عنه الفرسان” إن إقدام بيت الشعر الفلسطيني على نشر العوديسا الفلسطينية، خطوة نبيلة، أتمنى أن تتلوها خطوات لنشر الأعمال الشعرية، لشعراء آخرين ممن لم تنشر أعمالهم الشعرية، أذكر منهم على سبيل المثال، برهان الدين العبوشي ويوسف الخطيب وحسن النجمي وراضي صدوق وفواز عيد وغيرهم.‏

حميد سعيد‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

E - mail: ouroba@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية