قصص جريئة وواقعية من العالم السفلي.. لـ غادة اليوسف

مجموعة قصصية للأديبة القاصة: غادة اليوسف. بعنوان: في العالم السفلي. رصدت فيها العديد من الوقائع الاجتماعية المتنوِّعة بأسلوبها المتلوِّن في كل قصة, ليس في المجتمع السوري فحسب بل امتدَّ بها الأمر لرصد الواقع المعاش في العراق أيضاً, والذي أسدل بظلاله السوداء على كل من حوله.
المجموعة تحتوي على إحدى عشرة قصة, وتنتهي بقسم تحت عنوان: مواويل عراقية يحتوي على أربع قصص وهي: انغمار, من أين القبلة, استشراف, طمأنينة.
لنبدأ من قصة (في العالم السفلي) التي احتلَّت عنوان المجموعة والتي تعرض حالة إحدى السجينات اللواتي دفع بهن القهر والخوف من الفأر إلى البحث عن طريقة ما للتخلص منه, فماذا كانت النتيجة؟ نقتطف:
«صار صوته المنبعث من تحت الخفَّان أكثر حدة واحتجاجاً وإلحاحاً, وصارت خربشاته أكثر إصراراً.
ومع الوقت ربطته بهن أواصر ، ليس أقلها رغبتهن في رفع الحجر من رؤوسهن والظلمة من عيونهن.
لكنه كان أكثر شبهاً مع من هم خارج الغرفة, إلا في ميزات ترفعه عنهم لدرجة لا يحلم بها ص48
بالانتقال إلى قصة: استعداد. نلاحظ الوصف الدقيق والعناية الكبيرة لرصد صور من تحركات الطلاب في ساحة المدرسة من لعب وممازحة وأكل... هذا بالإضافة إلى الحالة التي تبديها مديرة المدرسة الصارمة حيال الطلاب, فهي تدبُّ الرعب في قلوبهم, وخاصة وهم يستعدون للوقوف في الصفوف, فترمي الطلاب المخالفين للأوامر بنظرات جاحدة, وتصفع البعض صفعات لا تُحتمل.. نقتطف:
«ومع انهمار دمعتين على وجهها الطفل, منكسة نظرات مستسلمة لخذلان البلل على سروالها, انكسرت شمس ذلك الصباح, فتشظت كسفاً رمادية .
يقول الناقد :يوسف سامي اليوسف: ولئن كتبت غادة اليوسف عشر قصص بهذا المستوى فإنها تضاهي يوسف إدريس الذي لم يبزه كاتب عربي حتى الآن.»
قصة المنديل التي سمعتها حين ألقتها الأديبة غادة اليوسف في قاعة المحاضرات في المركز الثقافي في مدينة حمص. هذه القصة التي أبكت الحضور وتركت في النفوس بصمة كاتبة أثبتت قدرتها على تحريك المشاعر الإنسانية بطريقة مدهشة, ليس بما يتعلَّق بنوع القصة المختارة فحسب, بل بطريقة إلقائها المميَّزة التي أضفت على القصة الحيوية والحضور, وكذلك تعتبر قصة المنديل قصة منبرية بامتياز.
اللوحة الأولى التي عرضتها القاصة على المتلقي ليتابع بعينين متوترتين طريقة ضرب المعلِّم الطالبة الطفلة (حنين) صفعات.. توسلات.. بكاء.. دفع.. شتائم يقابله لثغات الطفلة بلسان مقهور مظلوم فاقد للحنان والدفء الإنساني:
دخيلك (يا اثتاظ).. والله يا..
صفعة ثانية..
والله (يا اثتاظ.). مو أنا..
صفعة ثالثة..
اخرسي ... اخرسي.. وصفعة رابعة..»ص97
المرشدة الاجتماعية بما تحمل من صفاء النفس والنبل تستمع وباهتمام لتلك الطفلة اليتيمة, ومن هنا تعمد القاصة إلى سبر الداخل الإنساني المفعم بالقهر والتوتر والريبة والحرمان, وما تزال تواكب لهجة الطفلة وعباراتها ودموعها عبر أسئلة واستفسارات المرشدة الاجتماعية فتحرِّك قاع النفس الإنسانية المفعمة بالقهر والحرمان بلثغاتها التي طالما قادت (حنين) إلى مواطن السخرية والاستهزاء والألم من الطلاب والمعلمات.
جلست على طرف الكرسي, كمن لا يجرؤ على اجتراح مجد كهذاـ اجلسي, ارتاحي.
تندفع القصة بنسيج سردي مميَّز ومشوِّق راصدة حالات مواقف متنوِّعة من قبل المعلمات والطلاب حيال (حنين) لتنقلب الرؤى وبقوَّة إرادة طفلة بريئة فتثبت للجميع بمقطوعتها الغنائية الفريدة انطلاق سمو الروح الإنسانية عابرة اللكزات والغمزات... والاستهزاءات والسخريات... مرتقية بروحها الحالمة بالدفء والحب إلى فضاءات سماوات نقية. نقتطف:
«آه ... آه.. آه.. يا.. أمي
الدنيا فضيت يا أمي
والبرد غطى المدى
تعالي واحضنيني
وما حدا يغطيني
والتلج سد بواب الدار, وما حدا يدفيني
برداني يا أمي أنا...
تعالي واحضنيني.
مربوط جناحي بقفص
أنا ما فيي طير» ص112
إن هذا التمازج ما بين اللغة الفصحى واللهجة العامية جعل القصة قريبة جداً من المشاعر مما أعطاها كمَّاً كبيراً من اهتمام المتلقي.
قصة (وحشة) ترصد قصة طفلة تقوم برسم وردة صغيرة جداً في منتصف ورقة دفتر الرسم, وترفض أن تضيف للوحة أي شيء حتى الألوان ترفض أن تستخدمها في تلوين الوردة, إلا أن المعلمة تغضب من تصرُّف الطالبة الطفلة, فتكبح جماح غضبها عندما تعلم أن الطفلة تعيش وحيدة بعيدة عن أمها التي تركتها وسافرت مع من تحب, وكذلك بعيدة عن الأب الذي مات منذ مدة:
« أمي؟! نادراً ما أراها... تركت لي أطعمة و«شغلات »كثيرة.. «ومصاري».. وغادرت مع السيد مطاع إلى مدينة الليل.» ص118
وعند الانتقال إلى المواويل العراقية نجد في قصة (طمأنينة) هذه القصة التي ترصد رؤية الصغار لحقائق الواقع الدامي المعاش, يتساءل الطفل الصغير: هل تشعر الحيوانات بما يحدث على الأرض من جرائم؟ وعندما يطمئن عليها من خلال جواب أمه لحرصها على محبته لها, يقول: (نيَّالهن) ويأتي السطر الأخير للقصة مجسداً الرؤية الحقيقية المؤسفة للواقع الراهن.
إن طريقة الكاتبة في تصوير المشاهد تضع المتلقي بصورة مباشرة أمام الحدث, تنقله بلا تكلف أو عناء لرصد الحالة المعاشة بكل تفاصيلها شكلاً ومضموناً.
الأديبة غادة اليوسف, ومجموعتها القصصية: في العالم السفلي, قلم يفيض بنبرة الوجع, وعين تلمح أدق التفاصيل لتسرد قصصاً بأساليب وطرق مميَّزة.
سريعة حديد