ميدان الكتابة للأطفال

بداية، لا بدّ للكتّاب الذين أخذوا على عاتقهم مهمّة الكتابة في «أدب الأطفال»، أنْ يعلموا، أنّ الكتابة للطفل، لا ينبغي أنْ تكون هبوطاً أو صعوداً، وإنّما محاولة إيصالٍ من أقرب الطرق لِعقل الطفل المتلقّي، أعني إيصال معلومات وأفكار ورُؤى وثقافات تضاف لِمداركه، تخاطب وعيه الطفولي، وروحه، وعقله، وتساعده على النموّ، وتوسيع الآفاق..فـ «كاتب الأطفال الحقيقي، لا يقتصر على تسلية الأطفال، وإنّما يسعى من خلال التسلية - إنْ وُجِدَت – إلى إغناء مداركهم إغناءً دالاً ونافعاً، والارتقاء بهم ذهنيّاً ولغوياً وجمالياً»! ولأجل الخوض بهذا الميدان الصّعب، لا بدّ أنْ يعدّ الأديبُ، صاحبُ الموهبة، نفسَه، إعداداً صحيحاً، باعتباره السّلاح الأوّل بالمعركة، ميدانُها - كما أسلفتُ – من أصعب الميادين! وعلى الكاتب المتمرّس، أنْ يقدّم للأطفال الأدبَ الجميلَ الماتِعَ، وألّا يتلاعب بالألفاظ، بحيث تضيع على الطفل مَعالمُ الطريق، أيّ الفكرة، وتتابع الأحداث بشكل منطقي، والمطلوب تقديم المعاني بإطار «السّهل الممتنع»! ولكي يكون الأديب ناجحاً بعمله الإبداعي، لا بدّ أنْ يمزج تجربته الكتابيّة بالمُعايشة اللصِيقة مع الأطفال، بحيث يتمكّن من سبر أغوارهم، وما يحبّون، وما لا يحبّون. إنّ الغاية الأسْمَى من الكتابة للأطفال، الارتقاء بالذّوق الأدبي والبلاغي واللغوي لديهم، وعلى الأديب الجيّد، أنْ يعلم أنّ «أدب الأطفالً أدبٌ هادف، له أسسه الثابتة، التي يسعى الأديب لتحقيقها، لتكوين طفل بِشخصية متوازنة! إنّ «أدب الأطفال» ينبغي أن يكون لوناً من المعرفة الواعية، التي تُقدَّم للأطفال، لِتصلهم بالحياة، وتهيّئ لهم فرصاً كثيرة، للتعرّف إلى ذواتهم. فـ «أدب الأطفال»، ليس أدباً لعرض الأخبار، لكنّه ينقل إلى الطفل المعرفة، والتربية، والوعي، وتجارب الآخرين، منْ خلال المُتعة والسّرور الداخلي، كما ينمّي فيهم، الإحساس العميق بجمال الكلمة، وقوّة تأثيرها.. والطفل بطبيعته، وأحاسيسه الرّهيفة، ووعيه المُنَمْنَم،- بسبب ضآلة تجاربه - توّاقٌ لاستكشاف الحياة، ومعرفة عالم الكبار، بل هو بأمسِّ الحاجة لمعرفة ذاته، ومن واجبات الأديب الحقّ، أنْ يسهم بتهيئة الفرص المناسبة لتلك المعرفة.. والأطفال يميلون إلى تذوّق هذا السجلّ الحافل، ولا أدلّ على ذلك، من شغفهم بالاستماع للقصص، التي تُرْوَى عليهم، أو تلك التي يقرؤونها بأنفسهم، ومحاولتهم الجادّة لفهم الكلمات المكتوبة! الأسئلة المهمّة: «كيف ينتج المجتمع ثقافة الأطفال»؟ «هل يحتلّ طفلنا العربي، صِدْقاً لا ادّعاءً، مركز الأولوية بإنتاج الثقافة المُوجَّهة إليه»؟ «كيف ينظر مجتمعنا العربي إلى أطفاله، من خلال إنتاجه لثقافاتهم»؟ «كيف لنا أنْ نجعل أطفال اليوم، الذين هم رجال المستقبل وصانعُوه، عناصرَ فاعلة، مؤثرة، بحركة التنمية، ونهوض المجتمع»؟ للإجابة: الطفل لا ينتج ذاته، وليس لديه المقدرة الكافية على تكوين شخصيّته، وبلورة سلوكه، ما لم يتدخّل الكبار في نَمْذَجَتِه، وإعداده.
إنّ الاهتمام بالطفل العربي، لم يشكّل حتى اللحظة هاجِسَاً، وهمّاً وطنياً، لأجل مستقبل آمن وضّاء، ينعم فيه أطفالنا بالسّرور الدّاخلي.. وبدون البدء، بتخطيط كيفية تنشئة الطفل، تخطيطاً مسؤولاً، فإنّه لا يمكن أنْ ننجز بناءً صلباً، ورجلاً فذّاً، لوطنٍ يعاني كثيراً من المؤامرات الخارجية، والجروح النّازفة! (إنّ الأطفال ليسوا نُسَخاً مُصَغّرة أو «كرْبُونيّة» عن الكبار)، لأنّه ليس لديهم ما لدى الكبار من خبرة بالحياة، فخبرة الطفل تخلق له عدسات ذات تركيز مختلف عنْ عدسات الكبار، لأنَّهم، لا يرون العالم ذاته، كما يراه الكبار، وسأردّد: «إنّ طفل اليوم، يملك وعياً كبيراً، حول كثيرٍ من الأشياء، إذ لا يمكن خِداعُه بسهولة، أو اجتيازُه بسهولة»!
السؤال: هل القصّة منْ أحبّ ألوان الأدب لِنفوس الأطفال؟ الجواب: القصة في «أدب الأطفال»: هي شكل فنّي من أشكاله، فيه جمال ومتعة وخيال، وهي من أحبِّ ألوان الأدب للأطفال، وهي عملٌ فنّيٌّ، له مقوّمات وعناصر فنيّة، بحيث تكون الأحداث مناسبة للموضوع الرئيسي، الذي يقوم عليه مشروع القصة، وعلى أنْ تكون الحبكة الفنية قابلة للتّصديق، لا أنْ تكون قائمة على المصادفات والحِيل والمعجزات، وأنْ تكون غير مُستهلَكة، أو تافهة، أو غير معقولة. وكذلك «الشّعر الطفولي»، فهو من الأدب المُحبّب للأطفال، إذ إنّهم يحفظونه بِيُسرٍ، لسهولته، ولِمَا يحويه منْ موسيقى وتذوّق للفنّ والجمال! فالأطفال بطبيعتهم، يميلون إلى الموسيقى، وهم يتعلّمون الأمور السّهلة، التي تكون بدايةً على شكل أغنية، أو نشيد شعري.
من هذا الشّعر المُحبّب:
«قالَتْ سلْوَى هذا بابا
حَمَلَ الحَلوَى والألعَابَا
بابا رَجُلٌ حَسَنُ الخُلُقِ
يطلبُ مِنّا قَوْلَ الصِّدقِ»..
أو كقول آخر:
«مدرستِي يا فخرَ الوطنِ
يا مَهْدَ النّورِ مَدَى الزَّمنِ
أهواكِ هوىً يتملّكُنِي
يَسْرِي في الرُّوحِ مَعَ البَدَنِ»..
ومن أشعار الشاعر الكبير، «سليمان العيسى»:
«عَمّي منصور نجّار
يَضْحَكُ وبيدِهِ المِنْشَار
قلتُ لِعَمّي عندي لُعبة
اصنعْ لي بَيْتَاً لِلّعبَة
هزَّ الرّأسَ وقال:
أنَا أهْوَى الأطفال»..
ويقول أمير الشعراء «أحمد شوقي»:
« لي جَدّةٌ تَرْأفُ بِي أحَنُّ عَلَيَّ مِنْ أبِي
وكلُّ شيءٍ سَرَّنِي تذْهبُ فيه مَذْهَبِي
إنْ غَضِبَ الأهلُ عليَّ كلُّهم لمْ تَغْضَبِ»...
ختاماً، هذا «سليمان العيسى»، يحدّثنا عنْ نظرته في «أدب الأطفال»؛ يقول بمقدّمة كتابه «مسرحيات غنائيّة للأطفال»:«أطفالنا مَحرُومُون، يعيشون كالنّبات البَرّي، على الجفاف والعطش، وشعراؤُنا لم يترجّلوا يوماً عنْ خيولِهم الخشبيّة، ليداعِبُوا طفلاً بأنشودة، ويضعوا على ثَغْرِهِ أغنية، وأدبنا العربي يكادُ يكون فارغاً فراغاً مُحزِناً من أدب الأطفال، ولاسيّما شعر الأطفال»! ويقول: «لو يعيشُ الكَونُ طِفلاً ساعَة بَرِئَتْ منهُ الجِرَاحُ الدّامِية»!.
وجيه حسن