د. أتاسي يطلق رصاصة الرحمة على قصيدة النثر ويعرّي مدَّعي الشعر أمام معايير النقد

هل الشعر في أزمة ..؟ هل يعاني الشدة والضيق ؟ أم أنه بخير وعافية ؟ بهذه الكلمات بدأ الدكتور الناقد قصي أتاسي محاضرته بعنوان «أزمة الشعر المعاصر » في المركز الثقافي في حمص وضح فيها أن الشعر يتعرض لغزو من قبل المستشعرين الذين يعملون على الإساءة للشعر بكتابة الهرف وتسميته شعراً ويرى أن الإجابة على سؤال :من يهين الشعر إجابة هينة ولكن فيه اتهام وإدانة ,ومن جهة أخرى فيه خلاف حول المتهمين بالاساءة للشعر ,أسماؤهم وعددهم ,مدى مسؤوليتهم ولا بد من المصارحة بجرأة وثبات ولا بد من وضع النقاط على الحروف ,وتسمية الأشياء بمسمياتها ,بلا مراوغة او مداورة وماذا يجدي عدم الاجتراء على قول الحق.
لجان القراءة مسؤولة
يجيب الدكتور أتاسي عن سؤال من المسؤول عن طباعة دواوين شعرية لا تمت للشعر بصلة بوضع المسؤولية على لجان القراءة في وزارة الثقافة وفي اتحاد الكتاب العرب ,ولا يجب أن نغفل مسؤولية وسائل الإعلام , وعندما يتصفح أي مرتاد لمعارض الكتب ومحاولة تصفح واحد من المجموعات الشعرية التي كتب على غلافها مفردة «شعر «فإن المتصفح لن يجد شعراً,ولن يجد نثراً جميلاً فيحار القارىء أين يصنف هذا الكتاب ؟فهو نثر رديء لا يعرف السلامة والصحة في إعرابه وتركيب أجزائه , متهافت متهالك وليس هناك انفعال يثير القارىءويهزه ولا يوجد فيه صورة تشد وتدغدغ الخيال .
تطبيق عملي
ولئلا يبقى الناقد في طور التنظير انتقل إلى مثال عملي فأورد قصيدة مما يسمى قصيدة نثر وهي مقطع مجتزأ من مجموعة شعرية موجودة في إحدى معارض الكتب منشورة ومطبوعة طباعة فخمة فاخرة على ورق صقيل عنوان المجموعة خطوات أنثى والقصيدة بعنوان (أنا والمطر ):
على نافذتي نقر المطر يهمسني /مولاتي حان وقت السهر /انزعي عنك ملابس الضجر الشوق يناديك والريح تصارع الشجر/ حبيبي طفلتك باتت ملامح باكية تجوب الأزقة الشاتية تلبس كل شيء لكنها عارية تبحث عن السفن الراسية نقراتك على جسدي تحمل شيئاً من الأسرار كتلك التي تحملها رائحة الازهار ....إلى آخر النص .
يقول الأتاسي: من يجلد ذاته بقراءة هذا النص والتمعن فيه لن يجد الشعر في أي زاوية من زواياه وهذا هرف ..هذيان وتخريف وهذا جهل فاضح بعلم العروض وكاتب هذا الكلام يظن أن ما يوفّره من بعض السجع القميء هو القافية فهل يشفع هذا السجع له أو هل يجيز له دخول مملكة الشعر,ولست أدري كيف يسمح كاتب هذه السطور بتسمية هذا الهرف شعراً ...الشعر فن نبيل له خصائص ومقومات تميزه عن غيره من فنون القول .
خصائص الشعر
يسهب المحاضر بتعداد خصائص الشعر ليتمكن المتلقي من تمييزه من غيره من فنون القول ويرى أن اللغة السليمة الشفافة المعبرة الموحية هي أهم ميزة من ميزات الشعر ويجب أن تكون لغة الشعر مرتبطة بمواقف فكرية وانفعالات نفسية ,والصور المستخدمة يجب أن تسحر اللب وتدهشه بجمالها وجدّتها وغرابتها وقدرتها على إثارة الخيال وتحريكه كذلك يجب أن تتوفر في النص الشعري موسيقى داخلية تتماوج بين اللفظة واللفظة ,وبين العبارة والعبارة تماوج النسيم بين أغصان الشجر ,كذلك يجب توفر الإيقاع الموسيقي الذي يوفره بحر من البحور المعروفة أو تفعيلة تنظم القصيدة وتلفها من مطلعها إلى نهايتها... أين هذه المعايير من الشعر الذي يعمي الذائقة وينتشر كالنار في هشيم الفيسبوك ...تعالى الشعر أن يتردى إلى هذا الدرك.
الضدُّ يظهر حسنه الضدُّ
يورد الناقد مثالاً ساطعاً عن لغة الشعر وهو مقطع من قصيدة لنازك الملائكة تحكي فيه قصة فتاة يذبحها شقيقها غسلا للعار ثم يعود من البرية التي ذبحها فيها إلى الحانة ليحتسي الخمر مع الغواني :
«فتصيح ..أمَّاه ..وحشرجة دموع وسواد ...وانبجس الدمُّ واختلج الجسم المطعون ..والشعر المتموج عشش فيه الطين أمَّاه ...ولم يسمعها الجلاد ...وغداً يأتي الفجر وتصحو الاوراد والعشرون تنادي والأمل المفتون ..فتجيب المرجة والأزهار /رحلت عنا غسلاً للعار /ويعود الجلاد الوحشي ويلقى الناس /العار ...ويمسح مديته ,مزقنا العار ورجعنا فضلاءً بيض السمعة أحرار أين الخمر وأين الكاس؟ ناد الغانية الكسلى العاطرة الأنفاس /أفدي عينيها بالأحرار وبالأقدار وعلى المقتولة غسل العار. يلاحظ القارىء لهذه الأسطر الموزونة على التفعيلة أن المضمون الذي استوعبته هذه السمفونية الشعرية حفلت بالشعر الحقيقي فكانت لوحة تموج بالحركة الدرامية وتجسد الفاجعة المأسوية مأساة مجتمع مختنق بالجهل الأسود المدمر , والفكر الهمجي الوحشي يتلذذ بمنظر الدم البريء ضريبة لما يراه هذا المجتمع عاراً...النص طافح بالمشاعر .. مشاعر الحزن والغضب والسخرية بعفوية وطلاقة عبر دفق لغوي يفيض بالمعاني والمواقف والفِكر والعواطف وينضح بموسيقى تنساب من الحروف والألفاظ المعبرة الموحية ومن تفعيلة خفيفة رشيقة تتقافز وتجري كما الجدول والصور سريعة متهافتة متلاحقة لترسم لوحة عجيبة معجونة بالشجن فأين ذاك الهرف من هذا الجمال.
قصيدة النثر تناقض في التسمية
يطلق الدكتور قصي أتاسي منذ بداية المحاضرة رصاصة الرحمة على قصيدة النثر ويبين أن التسمية «قصيدة النثر» تحتوي على التناقض فكيف للنثر أن يكون قصيدة ...لقد ضاعت المعايير وانعدمت المقاييس فلا ضوابط ولا قواعد فعمَّت الفوضى وساد الظن بأن الشعر قد انفلت من أي قيد وتحلل من أي ضابط ..هو أمر سهل هين لين وما عليك عزيزي القارىء سوى أن تمسك بالقلم وتخط أي عبارة وتسميها شعراً فيه سجعات مضحكات مبكيات إذاً أنت شاعر أي شاعر لأن اسمك سيلمع على صفحات المجلات ...ثم سيرتقي منابر المراكز الثقافية والمؤسسات ...وتسري العدوى فيصبح صديقك أو صديقتك من رعيل الشعراء! و مهما يكن من أمر فنحن ما زلنا نؤمن بأن الشعر صعب وطويل سلمه ...وبأن الفن بعامة موهبة ثم تحصيل وإلمام بقواعده فليس هناك فن بلا قواعد أو ضوابط فكيف تتحلل (قصيدة النثر ) من قواعد اللغة والشعر لغة قبل كل شيء وماذا يكون الشعر إن لم يكن تعبيراً سليماً شفافاً موحياً بما في الوجدان والفكر ؟ وختم الناقد الأتاسي محاضرته بالتساؤل عن سبب نشر المجلات كل هذا الركام على أنه شعر.. لماذا تنشر السفاسف وتروّج لها وكيف تجيز لنفسها أن تعمل على تخريب الذائقة اللغوية والفنية لدى القراء ولا سيما الناشئة منهم ؟ألا يعرفون أن الغاية الأولى للعمل الفني إنتاج جميل أو توليد المتعة الفنية إذن لا بد أن يكون الجمال حاضراً في أي إنتاج فني .وأين يتبدئ هذا الجمال ؟إنه يتبدئ في الشعر عبر اللفظ الشفاف المعبر عن موقف فكري أو انفعالي إلى جانب صورة تدهش اللبّ وتثير المخيلة وإيقاع يكمن في الألفاظ المتجانسة والعبارات المتساوقة .
ميمونة العلي