تفاصيل ذكريات وآمال يكشفها الدكتور هيثم يحيى الخواجة في حوار معه

شفًّت الغربة روحه فاستوطن الحنين قلبه لكل تفاصيل الحياة الحمصية في الحارات القديمة حنين جارف بثه في معظم نتاجاته الأدبية , يجعل قارئه متأكداً من حنينه حتى لرائحة المصفاة ..!وربما جعله هذا الحنين على قيد الأدب وأوقد في روحه جذوة العطاء في ميادين عديدة إنه الدكتور هيثم يحيى الخواجة من مواليد حمص 1949 حاصل على إجازة في الأدب العربي عام 1975 من جامعة حلب , ودكتوراه في فلسفة المسرح ,عضو اتحاد الكتاب العرب في سورية .نال العديد من الجوائز الأدبية ,لديه خمسة وعشرون مؤلفاً مطبوعاً في المسرح والنقد والتأريخ لفن المسرح الحمصي والعربي ومجموعات شعرية وقصصية للكبار و الأطفال وكتب متخصصة في النقد الأدبي والتراجم والحوارات الأدبية .
فضل الريادة
تتميز شخصية الخواجة الأدبية بأن له فضل الريادة في كتابه: تأريخ المسرح « فهو أول من ألف معجم المسرحيات المعربة المؤلفة على مدى قرن ونصف ,كما له فضل الريادة في تأليف أول معجم مسرحيات للأطفال في سورية حتى عام 2007.يقول عنه الكاتب عدنان بن زيد عندما أرّخ للمسرح السوري بأنه :لم يستطع أن يزيد حرفاً واحداً على ما قدمه الأديب الخواجة في كتابه عن تأريخ المسرح الذي قدم له الشاعر رضا صافي حيث كتب في مقدمته :»أنا شاهد عدل على هذا الكتاب» كما قدم قراءة فيه الأديب عبد المعين الملوحي تحدث فيها عن مصداقية الكتاب حين صدوره.
ولنتعرف أكثر على شخصية الدكتور الخواجة يكفي أن نقول بإنه درّس مع الشهيد شكري هلال في ذات المدرسة في حمص لأكثر من أربع سنوات حتى أصبح الشهيد رئيسا لتحرير جريدة العروبة , ومن أعز أصدقائه عون الدرويش ومحي الدين الدرويش ورضا صافي . ولعل من أهم مؤلفاته في المسرح كتاب يوثق لحركة المسرح في حمص .يعزو بداياته الأدبية إلى شقيقيه عبد الخالق والناقد دريد يحيى الخواجة الذي شجعه ودربه و أوحى له بتأريخ المسرح في حمص ثم ألهمه فكرة توظيف الشعر في مسرحياته التي ألفها بعد ذلك .كما مثَّل الخواجة في العديد من المسرحيات ,ثم هجر التمثيل بعد دخوله جامعة حلب عام 1969 .
كم هو شاق وشيق أن تجري حواراً أدبياً مع أديب موسوعي ,وضع كتاباً من 175 صفحة في حوارات مع أربعة وعشرين علماً من أعلام الشعر والنقد والمسرح على امتداد الساحة الثقافية العربية لم تبق إشكالية ثقافية إلا وسألت ضيوفك عنها ,حدثنا عن كتابك «فضاءات الأسئلة ,حوارات في الادب والحياة»ظروف كتابته والمدة الزمنية التي استغرقها الكتاب ؟
عملي في الصحافة ,قربني من العمل الإعلامي من جهة ،و من جهة أخرى فسح لي المجال للقاءات مع الأدباء و النقاد و التحاور معهم ، فتكون لدي فضاءات واسعة للحوار و التحاور .
و على مدى بضع سنوات صار لدي حوارات تمتلك خصوصية تقري المفاصل المهمة في الإبداع ، و تشكل كتاباً يمكن أن يفيد المتلقي ويعمق ثقافته، و يبلور فكره عن أديب أو ناقد يحب أن يعرف عنه المزيد .
كتبت منذ أكـثـر من 15 عاما أن الادب العربي السوري مظلوم عربياً لماذا وكيف وما هي الحلول ؟
سبب الظلامة هو ضعف الانتشار و طباعة الكتب بأسلوب رديء أنا أعترف في البداية أن المؤسسات الرسمية المعنية بطباعة الكتاب لم تقصر و قد قامت بدورها على أكمل وجه في حدود إمكانياتها ، لكن المشكلة تكمن في سياسات بعض دور النشر الخاصة التي تستغل المبدع و التي تهتم بالربح أكثر من اهتمامها بتوزيع الكتاب و تجويد طباعته و تسويقه ... إلخ .
من هنا تبرز الظلامة . إذ هل يمكن أن يدور كتاب مطبوع في حمص مثلاً في أحيائها و لا يحتفى به في المحافظات أولاً و في الوطن العربي ثانياً .
لقد برزت مشكلة تلمستها في الغربة من مثل أن يُعرف كاتب من الدرجة الثانية أو الثالثة أكثر من كاتب من الدرجة الأولى ، و هذا ليس مقبولاً لأن من حق الكاتب أن يتسنم مكانته اللائقة به و بإبداعاته .
نتاجاتك الأدبية يغلب عليها المسرح أكثـر من أي جنس أدبي آخر أي الكتب أقرب إليك وإلى أي نوع يحنُّ المبدع الرابض في روحك؟
ما أنتجته أحبه و أفكر باستمرار إعادة النظر فيه لتطويره و تحسينه للوصول إلى الأفضل .. و الذي أعترف به أنني أعتز كثيراً بما أنتجته في مجال مسرح الكبار و مسرح الصغار ، لكوني أجد في المسرح تلاقياً وشيجاً بين الإبداع و الفن ، وبين الموقف و الإرادة ، وبين التصريح و التلميح ، و بين الإشارة و الدلالة ، وبين الذاتية و الموضوعية ...إلخ
في المسرح قصيدة حياتية تمتلك رؤيتها لتعيش و تضحي من أجل إنسانية الإنسان ، و من أجل الحياة الكريمة .
تميل جميع الفنون الأدبية إلى الإيجاز :قصيدة الومضة والقصة القصيرة جداً ,هل ثقافة مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب ؟
إن قصيدة الومضة موجودة في الأدب العالمي و الأدب العربي منذ القديم ، و إن القصة القصيرة جداً هي من نتاجات العصر الحديث ، لكن المهم في هذا الموضوع هو أن القصيدة أو القصة القصيرة أو الطويلة تفرض نفسها على القارئ إذا كانت تمتلك عناصر الحياة .
نعم العصر الحديث بتقنياته و مخترعاته أثر على الإبداع بصورة أو بأخرى ، لكن هذا التأثير لن يظل خالداً ، و هذا القول مرهون بمعطيات العصر و مآلاته و المستقبل .
ما يهمنا هنا هو تجويد الإبداع سواء أكتب الأديب قصة قصيرة أم طويلة و سواء أكتب الشاعر قصيدة طويلة أم ومضة شعرية .
عندما يجيب الأديب الذي يعد بأنه لا يزال على قيد الإبداع بأنه صديق الكل على سؤال من هم أصدقاؤك في الوسط الأدبي فهذه إجابة تدعو للشفقة وتؤكد أنه غير قادر على اتخاذ موقف متناسياً أن صديق الكل ليس صديقا لأحد,وأن الخصومات الادبية تطورت حتى صارلها كتب وتراجم !...الدكتور الخواجة من هم أعداؤك (الخصومات) ؟
إذا أردت أن أتحدث بصراحة فإنني أعترف بوجود أعداء لي ، و عندما أحدث نفسي عن سبب ذلك لا أجد جواباً شافياً ، و كل ما أستطيع قوله هو الآتي:
- إما لأنني لم أقدم له خدمات تخصه و تميزه عن غيره مع أنني لست كذلك
- و إما بسبب نجاحي و فشله هو
- و إما لضيق أفقه فهو يرى أن الساحة لا تتسع للجميع
الآن موجز القول يتلخص بسؤال بسيط :هل للغيرة و الحسد دور لا أدري !
يفضل النقاد الابتعاد عن النتاجات الشابة في جميع المجالات ويستكينون لتجارب أصبح النقد فيها مكررا...لقد أوسعونا نقداً في دراسة الصورة الشعرية عند محمود درويش ونزار قباني والعقاد وطه حسين ونجيب محفوظ...ثم ماذا بعد ...لماذا لا يواكب النقد النتاجات الجديدة ؟
لدينا مشكلة دعيني أتحدث عنها و هي عقدة الاسم اللامع .. يظل البعض يتحدث عنه إما لسهولة النشر عنه أو لغاية في نفس يعقوب .
و أجزم بأن الاهتمام بالصف الثاني و الثالث و التركيز على أدب الشباب ضروري جداً ، لكي يزداد الإبداع ألقاً وبهاء .
و أرى فيما أرى أنه من واجب المبدعين و الأدباء في الصف الأول رعاية الأدب الشبابي و تشجيع الشباب من خلال الدراسات النقدية المحفزة لمن يستحق ذلك و من واجب الإعلام نشر هذه الدراسات لكي تكون النتاجات الشبابية حاضرة و تتطور بفضل رعاية و تشجيع الأدباء الكبار .
وما أجده مهما هو أن الناقد عندما يتصدى لإبداع لم يكتب عنه من قبل فيه ميزات كثيرة فهو لم يستفد من وجهة نظر كتاب قبله وهو السابق والأول الذي اكتشف هذا الإبداع المهم .
كتب الدكتور غسان لافي طعمة مقالا في جريدة العروبة حول كتابك الذي حاورت فيه شقيقك المرحوم الأديب الدكتور دريد يحيى الخواجة .ماالجديد الذي أردت أن تقوله في هذا الكتاب ؟
منذ خمس سنوات دار حوار بيني وبين أخي المرحوم الأديب الناقد دريد يحيى الخواجة .. كان الحوار الذي ابتدعته من السؤال التالي : لماذا يقولون من العيب أن يحاور الشقيق شقيقه أو قريبه ألست معي بأن هذه المقولة بعيدة عن الصواب ؟
كان ينصت و يستمع و يفكر وكنت أدرس ملامح وجهه عبر ( السكايب ) فهو في أمريكا ، تابعت السؤال قائلاً : من يعرف عنك و عن تفاصيل حياتك أكثر مني ؟ فأجاب لا يوجد ، قلت أنا أحق الناس بمحاورتك فوافق على مشروعي وبعد فتره كتبت حوالي ستين سؤالا وطلبت منه الإجابة عنها .
بدأ يجيب عن الأسئلة بعد الاتفاق على تقديم حوار استثنائي يخترق التقليدية المتبعة ، وكان ذلك الكتاب ، وللأسف صدر الكتاب بعد وفاته بشهر واحد .
و على كل حال الجديد في الكتاب إشراك النقاد و الأدباء و المبدعين فيه ، و فسح المجال لكي يتحدث المحاوَر بالطريقة التي يريدها ، و استفادة المحاوِر مما كتب عن المحاوَر لإبراز جوانب تعد ضرورية .
لا يتقاعد المبدع هل تحب أن تسدل الستارة يوما ؟على ماذا تشتغل في هذه الأيام ؟
لا أحب هذه الكلمة ،و لا أريد أن أجلس تحت مظلة التقاعد أنا أعمل باستمرار ولدي مخطوطات في طريقها للنشر أذكر منها مجموعة قصصية ومسرحيات للأطفال وكتاباً تنظيرياً في أدب الأطفال وغير ذلك .
المسرح هو الحياة ... كيف تشرح ذلك ؟
لقد سعى المسرحيون - عبر الأزمان - إلى توثيق العلاقة بين المسرح والحياة ، و بناء على ذلك ابتكروا أساليب متعددة لإقناع المتلقي الذي يرسم خريطة الحياة ، فالكاتب المسرحي المعروف ( دورينمات ) على سبيل المثال لا الحصر ، اهتم بالتجريب الجريء و الإيغال في مفاصل الحياة ليقنع للمتلقي بأثر الفن في حياته ، فمسرحياته ( تعالج عجز الإنسان الفرد أمام جبروت الجماعة ، كما تجد الشجاعة التي يتحلى بها بعض الأفراد في مواجهة طغيان القطيع و القوى الكونية .
وتغلب على أعماله الروح الفكاهية القاتمة التي تنضح سخرية مريرة أو ما اصطلح على تسميته (بالكوميديا السوداء ) .
وهذا لا بد من الإشارة إلى أن حياة الكاتب نفسه مرتبطة بالمسرح ، فهو عنصر مهم من عناصر البشرية التي تصوغ الحياة بشكل عام ، و لما كانت معاناة الكاتب تنعكس بشكل أو بآخر ، فلا بد أن تتضمن نصوصه جزءاً من هذه الحياة دون إغفال للواقع الفني .
فالكاتب المسرحي بيرخيليوبينييرا كانت حياته صراعاً دائماً مع الموت منذ أن فتح عينيه على الدنيا ، و لما غدا شاباً عاش حياة مفعمة بالتفرقة الطبقية في المجتمع الكوبي ، و نتيجة للاضطهاد رحل بمحض إرادته عن بلاده إلى الأرجنتين ... إلخ ، كل ذلك وغيره طبع مسرحياته بطابع الرفض إلى الحد الذي جعل النقاد يطلقون عليه اسم الرافض : ( من هذا المنطلق ناضل بيرخيليوبينييرا دائماً ضد ما كان يسميه بتهميش الثقافة ، و تحت ضغط الواقع الخانق في بلاده اضطر إلى مغادرة كوبا مرة أخرى إلى بوينس أيرس في الأرجنتين هارباً ، وهو ما انعكس في مسرحيته (( هواء بارد )) تلك المسرحية التي يعتبرها النقاد أنموذجاً فريداً للدراما الواقعية الحقيقية ) .
إن هذا الكاتب المسرحي آمن بضرورة أن تتكاتف الجهود من أجل مقاومة المرض الثقافي الذي كان يسيطر على المجتمع الكوبي قبل انطلاقة الثورة ، وظل مصراً على موقفه فمارس ثقافة المقاومة و الإبداع تحت مظلة جماليات الرفض ، هذا ولم تكن القضايا الاجتماعية و الاقتصادية و الإنسانية و السياسية بمنأى عن طروحات الكتاب المسرحيين الذين تطرقوا إلى هذه القضايا بوجهات نظر مختلفة ، و لكن الأصل - سواء أكنا معهم أم كنا ضدهم - هو أن هذه القضايا مرتبطة بحياة الإنسان الذي يتطلع أن يرى جزءاً من حياته على الخشبة .
و من الضروري الإشارة إلى أن هذه القضايا تتم معالجتها عبر المسرح الجاد و عبر المسرح الضاحك حتى أن البعض مال إلى المسرح الضاحك باعتباره - في رأيهم - أكثر تأثيراً من المسرح الجاد ، و البعض الآخر تجاوز ذلك إلى استخدام ألاعيب مسرحية لا حصر لها إرضاء للمتلقي ، و هذا ما حدا النقاد و الدارسين إلى التفريق بين أنواع الكوميديا حيث إنّ بعضها يرتبط بمفهوم التهكم و البعض الآخر بمفهوم الإثارة العاطفية و الوجدانية و بعضها يرتبط بمفهوم العبث .
يعرف الدكتور عوني كرومي في كتابه الخطاب المسرحي الكوميديا بأنها :( فن من فنون المسرح يهدف إلى خلق المتعة و تحقيق اللذة ، و هو شكل مسرحي يمتد في عمق التاريخ ، ظهر و تطور من أجل ضرورة اجتماعية إنسانية و وسيلة فنية جمالية تعمل على تطوير الإنسان من خلال إغناء وعيه بتجارب إنسانية ) ماتعليقك على هذا الكلام؟
لما كان المسرح الكوميدي يتقبله الجمهور و يستمتع به فقد اهتم به المسرحيون كثيراً لأنه يساعد أفراد المجتمع على المتعة و الفرح و تفريغ شحنات الكآبة و الغضب و الحزن و الألم .. إلخ كما يسهم في تعزيز حرية الإنسان و الخلاص مما يفرضه و يخفف عنه ثقل الحياة و يساهم في إنشاء علاقة بين الإنسان و واقعه الموضوعي . . .
و على الرغم من أن أنواع الكوميديا تصب في مصلحة الإنسان ، و هي صورة من صور حياته في الواقع تبقى الكوميديا التي لا تخرج عن إطار الفن هي المطلوبة .
إن الإيمان بأن المسرح هو الحياة ، يعني أن التركيز على المشاهد و تمتين العلاقة بين المسرح و المشاهد ضرورة ملحة إذ ليس سهلاً النهوض بهذه العلاقة ، خاصة و أنها تنضوي تحت مظلة العرض و الطلب ، و هذه المظلة تتهاوى إلى مهاوي الاستهلاك إذا تخلت عن الفن و الفكر و القيم .
إن ما أعنيه هو أن المسرح كان شمولياً في توجهه ، حيث ناقش مجمل الموضوعات و القضايا التي تهم الإنسان ليرسخ مواقعه و يثبت أنه - حقاً - هو الحياة ,
لكأن المسرح يسعى إلى التماهي مع إنسانية المتلقي ، و هذا يستدعي القول : إن شأن المسرح يرقى بتقريب المسافة بينه وبين حياة الإنسان . .
و بناء على ما تقدم ، فإن الجهود المبذولة من أجل رفع شأن المسرح و إعلاء قيمته تنطلق من نقطة ارتباط هذا المسرح بالحياة ، و بالتالي ارتباطه بالمشاهد الذي يعد مساهماً و شريكاً فاعلاً في نجاح العرض و كذلك في بقاء المسرح .
و على هذا الأساس ، فإن العلاقة بين المسرح و المتلقي علاقة متشبعة أشبه بعلاقة جسم الإنسان بعروقه و أوردته .
لديك مسرحية مطبوعة بعنوان: «مازال الرقص مستمرا» هل مازال الرقص مستمراً؟
المسرحية تأليف مشترك مع المسرحي نور الدين الهاشمي ... أعتقد أن الرقص ما زال مستمراً و قد حمي الوطيس مع استمراره .
حاورته : ميمونة العلي