الأسطورة والأدب

ثمة سؤال يثار بقوة : هل كانت الأسطورة نصاً أدبياً ؟ وهذا السؤال نفسه يقود الى سؤال آخر : هل كانت الأسطورة هي الأدب في صورته الأولى ؟ وتحضر إجابات متعددة على هذين السؤالين المتكاملين , فالأديب الباحث في الأسطورة فراس سواح يرى في كتابه : مغامرة العقل الأولى _ أن : ( الاسطورة نص أدبي وضع في أبهى حلة فنية ممكنة أو هي صيغة مؤثرة في النفوس وهذا ما زاد في سيطرتها وتأثيرها وكان على الأدب والشعر أن ينتظرا فترة طويلة قبل أن ينفصلا عن الأسطورة لقد وضعت معظم الأساطير السورية والسومرية والبابلية في أجمل شكل شعري ممكن وقام هوميروس بصياغة معظم أساطير عصره المتداولة شعراً في الأوديسة والإلياذة والى جانب الشعر والأدب خلقت الاسطورة فنوناً أخرى كالمسرح الذي ابتدأ عهده بتمثيل الأساطير الرئيسية في الأعياد الدينية ) .
ويرى جوزيف كامبل في كتابه – قوة الأسطورة – أن الأسطورة نوع من الشعر . (الميثولوجيا ليست كذبة . المثيولوجيا نوع من الشعر وهي مجاز خالص ) والأدب وفقاً لنظرية الناقد الكندي العالمي – نورثروب فراي – يصدر عن بنية أساس – نسق أو نظام – هي المثية أي الأسطورة في حالتها الأولى قبل الانزياح أو التعديل . إذا ليس هناك أدب جديد , هناك أدباء جدد تنحصر حريتهم في التعديل والانزياح والتحوير ضمن الإطار العام للميثات أما وظيفة النقد فتنحصر تحديداً في معرفة الانزياح الذي أصاب الميثة .
ويرى الناقد حنا عبود في كتابه – فصول في علم الاقتصاد الأدبي – أن الأدب هو الأسطورة التي تعلو على الزمن وتمسك بالنفس في كل حين , الأدب هو ما يخلد فقط وكل تأثير يشبه الموضة الدارجة لا ينتج أدباً .
ولذلك نقرأ القديم من هذا الأدب فنظنه جديداً ونقرأ الجديد منه فنظنه يرجع الى أعماق التاريخ البشري .
ومن هنا كان الأدب ظاهرة صحية لأنه عن طريق الرؤيا الناتجة عن الأسطورة المنزاحة يعيد التوازن الى البشر يقول الناقد حنا عبود في كتابه : النظرية الأدبية الحديثة ( إن الأدب ظاهرة صحية وربما كان من أعظم الظواهر الصحية في البشرية منذ القديم حتى اليوم . فكأن الأدب عقيدة سرية قديمة لا يعرفها إلا من حاز جواز السفر الى اللاوعي الجمعي أي الرؤيا وبهذه الرؤيا يحاول الأدب إعادة التوازن الى البشر في علاقتهم مع الطبيعة إنها عقيدة صحية وفعالة ).
وعندما يحاول أدب اليوم أن يستعيد شيئاً من الأسطورة فبحثه عن هذه الاستعادة أن يكتب له الاستمرار والخلود .
ويؤكد جوزيف كامبل العلاقة الحميمة بين الأسطورة والأدب ويصر على أهمية شاعرية الأسطورة بقوله : « عندما تفهم شاعرية الأسطورة كسيرة ذاتية كتاريخ أو كعلم تكون قد قتلت ».
ولعل من الأقوال الجميلة المعبرة عن أهمية الأسطورة في الأدب قول : إيلي هو مبيرت في كتابه : - كارل غرستاف يونغ -: «إذا غاب العالم الوسيط , عالم المخيلة المبدعة الأسطورية فإن الفكر يجد نفسه عندئذ مهدداً بأن يتخثر في المذهبية ».
ويؤكد نورثروب فراي أن الأسطورة عنصر بنائي في الأدب لأن الأدب ككل اسطورة منحولة ويرى مارك ثورر أن الأسطورة أساس لاغنى للشعر عنه , وهذه الشهادات تؤكد أن الأسطورة هي الرحم الذي يخرج منه الأدب .
فالأسطورة كبنية كلية هي مادة الأدب ذاتها والشعر يرجع إليها باستمرار .
وفي كل عصر يصعب على الشعراء أن يجدوا فكرة أدبية رئيسية لا تنطبق على الأسطورة وفي النتيجة النهائية إن القارئ لا يستطيع فهم الأدب الحالي من دون فهم الأساطير الخوالي وإن الأدب عندما يسقط من حسابه الأساطير يكون قد حكم على نفسه بالموت !! فمن دون معرفة الأساطير لا يمكننا أن نفهم أو نتذوق الكثير من أدب لغتنا الرفيع .
د. غسان لافي طعمة