صاروخك من ورقٍ يا ولدي!

بِركنٍ من أركان البيت، وقعت عيناي على صاروخك الورقيّ يا ولدي .. يوم كنتَ تلعب به مع أخيك الأصغر، لم يكن يثيرني كما أثارني اللحظة.. جملة مشاعر وأحاسيس، عصفت بصدري وقلبي، وأنا أتملّى صورة الصاروخ الورقيّ! يوم جمعتْ أمّكما حقائب السفر وأشياءكما الطفليّة المُنمنمة عائدِين لأرض الوطن، نسيَتْ أو تناسَتْ، أنْ تجمع الصاروخ الورقيّ؛ فبقي بأرض الغرفة علامة فارقة، يشيرُ إلى فرح الطفولة، حتى لو كان مصدر الفرح من ورقٍ أصمّ، مصنوع من لِحاءِ الشّجر! بياض صاروخك الورقيّ يا بنيّ، ذكّرني بعذوبة الطفولة، ببراءتها الثلجيّة، بنقائها الأخّاذ، بل صورته ذكّرتني – على وعيٍ منّي أو بدونه - بجولاننا الحبيب؛ بجنوبنا اللبناني المقاوم؛ بضفّتنا الخضراء؛ بغزة الجريحة.. بل ذكّرني بكلّ الصواريخ الحجريّة التي تطلقها الأيدي الجسورة هناك في “الداخل السّاخن”، أو على بعض الحدود المُتاخمة، كما ذكّرني بآنٍ معاً، بكلّ الجباه البطلة الرّانية إلى غدٍ مشعشع منتظر؛ وهو آتٍ لا محالة، مهما كانت التضحيات والأثمان “وإنّ غداً لناظِره قريب”... في تضاريس صاروخك الورقيّ يا بنيّ، لمحتُ “قاسيون، وعَيْبان ونُقُم، والأوراس، وهضبة الجولان، وصنّين، وجبل حفيت، وجبال الجليل ..”؛ بل لمحتُ في تعاريجه وأسطره وبياضه كلّ صحارينا وسهولنا وضفافنا وبوادينا وبحارنا والهضاب .. رأيت كلّ أطفال الوطن من مائه للماء، وهم ينتظرون بشغفٍ واضح البصمات اخضرارَ المطر، منْ حجرٍ انتفضَ شوقاً للحياة.. وأنا أقلّب صاروخك الورقيّ يا ولدي، وأتملّى صورة العشق والبراءة فيه، قلتُ بِسرّي، وظلُّ ابتسامة تراودُ قلبي: “أبِهذا الصاروخ الورقيّ وأشباهه، يكون الخلاص، وانبثاق الفجر، وتحرير الأرض”؟! باعتدادٍ مُتشامخٍ قالت نفسي: “بلْ بِسْقيِ النفوس الأبيّة، والحجارة الطاهرة حدّ الارتواء، يكون الخلاص”.. لحظتئذٍ هززتُ رأسي موافقاً على نقاء الفكرة وصحّتها وصلابتها! نعم يا بنيّ.. كنتَ تدرّبُ يدك على رمي الصاروخ وإطلاقه من جهة لأخرى، في فضاء الغرفة الضيّق؛ وأخوك الصغير كان يضجّ من الفرح والضحك، وهو يرى الصاروخ الورقيّ ينقضّ على أرض الغرفة، مثل انقضاض حجرٍ مقاتلٍ طهورٍ على رأس جنديّ صهيونيّ مُرتَزِق .. لقد كبرت الشّاشة الصغيرة يا بنيّ، وهي تعرضُ بشيءٍ من سَماحة الوقت - بإحدى نشرات الأخبار - عنفوانَ الحجر المقاتل، وكبرياء الطفولة الجسورة .. نعم يا بنيّ، أنت تتدرّب اليوم على إطلاق الصاروخ الورقيّ بفضاء الغرفة، وسمائها الضيّق، لكنّ صاروخه الحجريّ المقاتل، يُقذَفُ هناك في فضاءٍ أرحبَ، ومدىً أجْدى، مُتصدّياً لعدوّ لا يعرف للإنسانية وزناً، ولا يُقيم للحقّ شأناً، ولا لِبراءة الطفولة قيمة.. سياسته المطعونة دائماً: عنجهيّة طاغية، عنصريّة حاقدة، نازيّة مُتأصّلة.. الآن شتّان ما بين الورق والحجر يا بنيّ.. أنت اليوم تدرّبُ نفسك على اللعبة المُسلّية والحماسيّة، وغداً عندما تكبر وتشبّ عن الطوْق، سيتغيّر نمطُ تفكيرك، ستعرف يقيناً، أنّ صاروخك الورقيّ كان لعبة عاديّة مُسلّية، أثلجتْ صدرك الطفوليّ، وصدر أخيك الأصغر، وبعثَتْ فيكما بعضاً من فرح أزرق لازْورديّ، وأنّ الصاروخ “الحجريّ – الحربيّ” قذيفة مُتفجّرة، تثلج بانطلاقها وانقضاضها فوق رؤوس الأوْغاد ومستوطناتهم، كلَّ الصدور المفتوحة على أمداء الوطن، وانتصاراته المرْتقبة.. صاروخك من ورقٍ يا ولدي، وعندما تدهمُك السّنون، ستتذكّر بنفسك اللعبة الورقيّة المُسلّية، ستقول في سرّك وأنت تبتسم، كابتسامة ياسمينة من ياسمينات وطني بصباحٍ نديّ: “رحم الله أيامَ زمان.. صاروخي الورقيّ كان مُسلّياً، ولم يكنْ نافعاً”.. وستضحك نفسُك من السّذاجة والبراءة وعبث الطفولة الرّائع، وستمجّد ذاتك – بالوقت عينه - كلّ الصواريخ الحقيقية، التي تصدّت وتتصدّى للصواريخ الإسرائيلية المعادِية فوق عاصمة الأمويين “دمشق”، وأسقطت الكثيرَ منها! نعم ستدكّ صواريخنا – عاجلاً أم آجلاً - مواقع العدو وتحصيناته ومُستوْطناته، كلّما فكّر باعتداء مماثل جبان.. علينا أنْ نُعلي كذلك من شأن “الصواريخ الحجريّة”، التي أطلقها ويطلقها أطفالنا وأبطالنا بهذه البقعة السّاخنة من أرضنا الطهور، وبكلّ بقعة مماثلة... كلّ حجارة الوطن وصخوره وجباله وصواريخه و..و.. تتململُ اليوم يا بنيّ، تتهامسُ سرّاً وعلانية، بل جهاراً نهاراً دونما تردّد أو أيّ انكفاء، تريد الانطلاق ليكون لها شرفُ التحرير والخلاص، وطرد النّازيّ المحتلّ من أرض الآباء والأجداد، ومجاورة المسجد الأقصى، وقبّة الصخرة المباركة، ولو تسنّى لكلّ أطفال الوطن وحرائره الطاهرات، ورجاله وشبابه الشّرفاء من محيطه لخليجه، أنْ يرابضوا هناك على الحدود، ليمدّوا إخوتهم بحجارة عربيّة لا تصدأ ولا تتثلّم، ولا يعتورها الخوف والخنوع، لفعلوا ذلك جميعاً دونما توجّس، ولشكّلوا دعماً عربيّاً صادقاً، وهم مدجّجون بعشق المقاومة، وشرف الشهادة، وبحجارةٍ من سِجّيل، التي فاضَ فيها الحنين إلى الفعل المُجدي، والنصر المؤزّر، والخلاص المنشود .. ألمْ يقلْ شاعر عربيّ يوماً:
“يا بارِيَ القَوسِ بَرْيَاً لسْتَ تُحْكِمُهُ
لا تـُفسِدِ القوْسَ أعْطِ القوْسَ بارِيها”؟! ...

وجيه حسن