الشاعر هوية ذات شجون

في العودة إلى تاريخ الأدب عموما والشعر خصوصا نجد أن الشاعر ظهر بأكثر من صورة فهل كان مترزقاً من شعره ؟أم كان ذلك الإنسان المطلع على كل الأشياء ؟أم أنه كان ذلك الإنسان المبدع الذي صور الحياة بمكوناتها عبر قصائده التي كانت صورة حقيقية عن واقع الحياة وحيثياتها المختلفة ؟
أسئلة نحن محقون بتوجيهها والبحث عن الإجابات عليها فكم نقلت لنا الروايات التاريخية صورا واقعية مدعمة بالشواهد التي لا تقبل الشك أو التأويل فهناك صورة الشاعر الذي كان يتنقل من مربع خليفة أو ملك أو أمير إلى مربع آخر مادحا كي يحصل على المال من ممدوحه وهي الصورة التي رافقت الشعراء زمنا طويلا وعصورا متلاحقة كما قدمت لنا الكثير من محطات الشعراء صورة الشاعر اللاهي الذي يسعى وراء الملذات والمتعة الشخصية دون أن يلتفت إلى ما يجري حوله من أحداث مهما كانت مؤلمة وهناك صورة الشاعر الذي يوظف شعره في خدمة قناعات ترسخت لديه يظهرها في شعره .قد تكون سياسية أو اجتماعية وتختلف هذه الصور في أولويتها بين عصر وآخر وكانت تلك النماذج المتغيرة والتي تعود في الأصل إلى النماذج الأولى الأصلية التي ترسخت في الأزمنة الأولى لظهور الشعر والشعراء وترسيخ ما درجوا عليه من عادات في صياغة القصيدة وإبراز وجهتها وقد كان للشعر مكانة كبيرة بين الناس وكان يفعل بهم فعل السحر وقد قال أبو نواس : ( إن الشعر من عقد السحر ) .
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يتم اعتبار الشعر نوعاً من الإلهام الذي يصل إلى حد وصف الشاعر إلى أن لديه قوة علوية تلهمه الشعر أو أن لكل شاعر شيطاناً يجعل القصيدة حاضرة لديه متى يرغب بها .ويقول الثعالبي نقلا عن الجاحظ أن من كان شيطانه أمرد كان شعره أجود ويقول غيره عن شيطان (تابع جني ) امرئ القيس وعنتر تابع طرفة ومسحل شيطان الأعشى ومدرك شيطان الكميت وعمرو شيطان الفرزدق ,و استمد من ذلك بديع الزمان الهمذاني المقامة الإبليسية التي يلتقي فيها عيسى بن هشام إبليس و يخبره أن ما من أحدٍ من الشعراء إلا ومعه معين من قبيلة إبليس . يقول أحد الشعراء في ذلك :
إني وكل شاعر من البشر        
   شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
والقبيلة التي ينبغ فيها شاعر كانت تأتي القبائل لتهنئتها وتصنع الولائم وتقام الأفراح وتجتمع النساء للعب المزاهر وهذا يؤكد اقتران فرحة ميلاد الشاعر بفرحة الأعراس وتشير إلى ارتباط الشعر بالمعنى الأسطوري للولادة الجديدة الإبداع الدائم وهو كما تجدد الطبيعة في دورة الفصول المتتابعة . بقي الشاعر عبر العصور كالمرآة في شعره يعكس واقع الحياة برمتها وهذا ما دعا الكثيرين من الأدباء والكتاب إلى الدفاع عن الشعر والشعراء وتبرير ضرورة وجودهم بل كل واحد منهم أشبه بالمؤرخ أكبر دليل على صحة ما نشير إليه هو كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني الذي أرخ من خلال الأصوات التي غنت لكل من عاصر المغني من الشعراء والحكام فكان تأريخا عكس مجريات الحياة في تلك الفترة.
مازال الشعر يلقى اهتماما مقبولا لكن ليس بالزخم الذي عرفته العصور السابقة وربما كانت التكنولوجيا وثورة المعلومات سرقت الأضواء وتغيرت الأولويات .
شلاش الضاهر