قصة ..أبو رازي ....!!

أخيراً ...،رحل أبو رازي إلى جوار ربه .رحل بعد أن وري الثرى ،قبل أشهر ابنه الوحيد رازي قضى شهيداً في معركة الشرف ضد العصابات الإرهابية في ريف حماة الشمالي .
تسعون سنة ونيّف ،أمضاها الرجل في هذه الحياة الفانية ،فلاحاً مجّداً ،وصاحب منزول عامر ،في البلدة ،يؤمه الرجال ،كل يوم لقضاء السهرة اليومية ،يحتسون القهوة العربية والشاي ،يدخنون ويروون حكايات الماضي والحاضر .وكانوا ،بين حين وآخر ،يطلبون من أبي رازي أن يروي قصته «قصة أبي رازي»..وهي قصة معروفة في هذه المنطقة من الريف .
وقبل أن يبدأ أبو رازي سرد أحداث القصة ،وكالعادة ،يعلن عتبه على المؤسسة العامة للسينما لأنّها أنتجت فيلماً عن حياة صديقه «أبي علي شاهين «الفهد –بينما لم يكترث أحد بقصته .ويعلّل الأمر أنّ الآغا الذي قتله أبو رازي من عائلة لا يزال لها حضورها في السلطة حتى يومنا هذا ...!!
يتنحنح أبو رازي ..ويبدأ الحكاية :
«كان ياما كان ..في تلك القرية من قرى «الآغا صائب «قصر كبير يقيم فيه الآغا ،عندما يأتي القرية من المدينة ليشرف على استلام مواسم الحنطة والشعير ...،بمساعدة رجاله :الحارس والوكيل وعدد من الرجال...»
«في ذلك اليوم الذي حصلت فيه الحادثة ..جاء الحارس إلى بيتنا ،فوجدني واقفاً أمام الباب ،كنت فتىً في الخامسة عشرة من عمري ...رمقني بنظرة استعلاء وقال :
«اسمع يا حمدان ... إرسل شقيقتك مروة إلى القصر....
اليوم ..دوركم في الخدمة ...»
لم أجب بشيء .هززت رأسي إشعاراً بأنني تبلغت الأمر .ومع أنّ «مروة» سبق لها وخدمت في القصر ،مثل كل نساء القرية ،غير أنني شعرت بالإهانة ...وقررت عدم إرسال مروة ،بل ذهبت أنا للخدمة بدلاً منها .
عندما دخلت باحة القصر ،شاهدني الآغا الذي كان واقفاً في الشرفة ..فصاح بي :
«هيه ..أنت ماذا تريد ؟!»
«جئت للخدمة بدلاً من شقيقتي لأنها مريضة ..يا سيدي !!»
أجاب :
«أوليس عندكم فتاة غيرها ؟!!»
«لا ..والله ..!!»هزّ رأسه وهو يقهقه بضحكة ماكرة :
«لابأس ..قد تنفع أكثر من شقيقتك ..!»
هذه العبارة –يا إخواني –جعلت جسمي ينكمش وشعرت بالخوف ...!!
في المساء حملت بناءً على توجيهات الحارس ،طبقاً كبيراً فيه الصحون الملأى بالطعام من المطبخ إلى الطابق العلوي ،ووضعتها على طاولة كبيرة أمام الآغا الجالس بجانبها .ثم عدت إلى المطبخ وأحضرت إبريقاً زجاجياً فيه الماء ،مع كأس بلورية وضعتهما بجانب الطعام ..وعدت نازلاً الدرج إلى غرفة المطبخ .
وفكرت في نفسي ..كيف يقبل الفلاحون ،بإرسال نسائهم إلى هنا ...
والآغا ،وحده في القصر ،....لاسيّما وأنّ سمعته سيئة جداً ويقال إنه من أسوأ الآغاوات في البلاد ،وأنّ سلوكه شاذ كما يقولون .بدأ الدم يغلي في عروقي .رفعت قبضة يدي ،بشكل لا شعوري ،متخيلاً أن الآغا أمامي ...سددت نحوه وضربت ..لكن قبضتي لم تصطدم بشيء سوى الفراغ ...!!.
تخيلت أنّ الآغا يعتدي على شقيقتي ...وأنّني أحاول أن أخلّصها منه ...حركت قبضتي بقوة ،فاصطدمت هذه المرّة بالجدار ،وشعرت بالألم .
طلب مني الحارس بعد حين أن أصعد إلى الشرفة وأعيد بقايا الطعام .ففعلت ذلك على الفور .ثمة نظرات جائعة كان الآغا يرمقني بها ...!!
لاحظت أنّ الحارس يضع الفاكهة من عنب وتفاح وثمة زجاجة خمر وكأس .،في صينية كبيرة ،حملها الحارس بنفسه إلى الطابق العلوي .
بعد ساعة أو ربما ساعتين ،طلب مني الحارس أن أصعد فرّبما يريد الآغا شيئاً ما .كانت رائحة الخمر تنبعث منه ...ناداني «تعال ..انقل المنضدة وما عليها إلى الداخل «سبقني إلى غرفة نوم بازخة ..فيها سرير عال وثمة كنبات ومرآة كبيرة قبالة السرير ...!!
عندما فعلت ما أمرني به ...فوجئت به يناديني :
«تعال ..اجلس ..ما اسمك ؟!!
«حمدان ...يا سيدي !!»
هزّ رأسه وأشار إلى الكنبة أن أجلس ..!!
جلست .استدار نحو الباب ...أغلقه ثم أدار المفتاح .
ولاحظت أنه أخرج المفتاح من قفل الباب .هنا شعرت
-يا إخوان –أنّ الدم يغلي ،في عروقي ،من جديد .شعرت بالرعب ،وأنّ شعر رأسي يقف ،كما يقولون وللحظات ،لم أعد أرى شيئاً ..ثم رأيته يربت على كتفي ..وأمسك بيدي وشدني نحو السرير ...!!وهو يقول كلاماً غريباً
«أنت أفضل من أية امرأة ..!!»
وأفلت منه واندفعت باتجاه الباب .قهقه ضاحكاً .
أردت أن أصرخ ...لكنني لم أجد صوتي ...!!
استمر الآغا يقهقه ..ويتبعني في أرجاء الغرفة ...!!
لمحت سكيناً قرب الفاكهة في الصينية ..!! تناولتها ،وبسرعة وقوة أغمدتها في عنقه ..نفر الدم ...أطلق صرخةً....محاولاً أن يمسكني ...تناولت منضدة صغيرة جعلتها بيني وبينه ..وراح يترنح ..الدم ينفر ..يحاول أن يسد الجرح بيده ...وقع على الأرض ..ضربت النافذة بالمنضدة الصغيرة ..أحدثت فتحة ...خرجت ...نزلت الدرج بسرعة
«ماذا حصل ..؟! «سألني الحارس مندهشاً ..وأنا أهرع والسكين بيدي إلى الخارج ...لم أجب بشيء .
أصاب الذعر أمي وشقيقتي عندما ظهرت أمامهما ،فجأة وثمة بقع من الدم على قميصي ،وأنا ألهث ...!!
«ماذا حصل ..ما هذا الدم ؟!!»
عندما أخبرتهما بالأمر ..خرجنا نحن الثلاثة تحت جنح الظلام ،نهيم على وجوهنا .مررنا بعدة قرى .كنا نقيم يوماً أو بعض يوم في كل قرية ،ثم نمضي نحو الشرق في عمق البادية .انتحلت اسماً جديداً .عندما وصلنا إلى قريتكم هذه ...وجدنا فيها أناساً طيبين ...وصرنا من أهلها .
انتشر خبر مقتل الآغا صائب في البلاد ،على يد فلاح عنده .قال الناس كلاماً كثيراً ،واختلقوا حكايات من الحكاية .ومضت سنوات عديدة .زال عهد الإقطاع ...ورحت أسرد ما جرى ..وأعلنت اسمي الحقيقي ..لكنني لا أزال أحنّ إلى تلك القرية التي أبصرت فيها النور ...!!»
مات أبو رازي .غير أنّ ما بعث الحكاية من جديد ،بعد موته بأشهر وصول فريق تلفزيوني ،لدراسة وتصوير الأماكن التي عاش فيها .وكيف ثار ضد الإقطاع وكان أول مشهد تم تصويره ،في مقبرة البلدة ،حيث هناك قبران متجاوران أحدهما مكتوب عليه «أحمد الحمدان «والثاني يحمل شاهدة كتب عليها «الشهيد البطل رازي أحمد الحمدان .....!!»أما المشهد الثاني فكان لمدرسة الشهيد رازي أحمد الحمدان وللقرية التي وقعت فيها حادثة مقتل الآغا وصار اسمها «أبو رازي» ...!!
عيسى اسماعيل