الحفاظ على اللغة حفاظ على الهوية في محاضرة : «التضليل اللغوي والتلاعب بالمصطلحات»

أسئلة كثيرة أثارتها محاضرة الموجهة التربوية رجاء العلي بعنوان: «التضليل اللغوي والتلاعب بالمصطلحات» في رابطة الخريجين الجامعيين بحمص فأشارت إحدى المداخلات إلى ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة بحق كل من يستخدم كلمات غير عربية فصيحة في التعليم بكل بمراحله وفي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة خاصة إذا كان لها ما يرادفها في اللغة العربية الفصيحة.

بدأت الموجهة رجاء العلي محاضرتها بالاستشهاد بقول لجورج أوريل : «العدو الأكبر للغة هو النفاق» وبينت أن التمويه والتضليل في فن الخطاب يمر أساساً عبر اللغة خلال لغة الخطاب والإيحاء والإيهام وعرفت التضليل «لغة واصطلاحاً «فالتضليل لغة هو تعمد إخفاء بعض الأمور لئلا يهتدي الباحث إلى ما يريد أما اصطلاحاً ,فإن مفهوم التضليل يشمل كل ما يخدع المتلقي سواء بتصريحات او بيانات غير حقيقية مزيفة أو بذكر بيانات غير صحيحة بذاتها وقد أدرك العرب منذ القديم أهمية المصطلح ودوره في تحصيل العلوم ,فاللغة وعاء المعرفة والمصطلح هو الحامل للمضمون العلمي للغة .
وبينت أن أول من ضللًّ بالألفاظ وتلاعب بها هو «إبليس» حين سمَّى شجرة الطرد و الحرمان بلفظ شجرة الخُّلد وملك لا يبلى»
تهدد اللغة العربية
وبينت العلي أن المصطلحات الأجنبية تهدد اللغة العربية حيث زاد الاعتماد على المصطلحات الأجنبية والترجمة الحرفية دون الالتفات إلى خطورة المعاني التي تحملها في سياقها اللغوي الأصلي، وبينت أن أول من تحدث عن هذه الظاهرة الخطيرة أستاذ أصول اللغة الدكتور عبد الفتاح فتوح قائلاً: «ليست اللغة أداة للتواصل والتعبير والتبليغ والتوضيح، بل أيضاً هي أداة للتمويه والتضليل والتعتيم ، ولذلك من الضروري الانتباه إلى هذه الجوانب السلبية بجانب انتباهنا للوظائف الإيجابية» .
حرب المصطلحات
وأوضحت المحاضرة أننا نعيش حرب المصطلحات والتي تتسارع وسائل الإعلام في إذكاء فتيلها وترجمتها وبثها على جناح السرعة باستخدام تقنيات التضليل الكلامي للسيطرة على الرأي العام مثل: استعمال التناقضات الكلامية, والتأويلات المموهَة،، وتقنيات الاجتذاب والإغواء والإيحاء ، و التلاعبات الدلالية للكلام .
وتحدثت العلي عن دور وسائل الإعلام بالتأسيس لمدرسة تضليل كلامي موجَّه إلى عقول الناس ومشاعرهم بهدف خلق فوضى الأحكام وتشتيت الرأي وهو ما يعرف بفن قيادة النفوس بواسطة التضليل وتوجيه الرأي العام.
وأشارت إلى دور الإعلام الغربي في فرض المصطلحات، فقد بلغ الاستخدام العشوائي أو المقصود لبعض المصطلحات في وسائل الإعلام حدَّا كبيراً، بحيث صار يفتقد في كثير من الأحيان إلى التبصر في المعاني التي تحملها ومدى حقيقتها وصدقها وصحتها ، دون مراعاة لضرورة الدقة في ترجمة المصطلحات الإعلامية وتوجيهها عبر وسائل الإعلام إلى شرائح واسعة من الجماهير على اختلاف مستوياتهم.
وللأمانة قد لا تكون وسائل الإعلام هي من يقوم بصناعة المصطلحات التي ترددها، وإنما توجد جهات خارجية تقوم بصناعة هذه المصطلحات وتصديرها إلى وسائل إعلامنا العربية والمتلقي العربي يستسلم لها ويرددها وتصبح أمراً واقعاً في قاموسه اللغوي دون الالتفات إلى خطورة المعاني التي تحملها في سياقها اللغوي الأصلي.

نماذج من التضليل اللغوي
وقرنت العلي المفاهيم النظرية بتطبيقات متعددة فذكرت العديد من نماذج التضليل اللغوي منها:
مصطلح «الربيع العربيّ» وبينت أن أول من استخدمه البروفسور مارك لانش عام 2011 في جامعة جورج واشنطن، وينسب أصل هذا المصطلح إلى ثورات أوربية حدثت بين عامي 1789-1884، وأطلق عليها تسمية ربيع الشعوب وهو وصف لظاهرة انتفاضة الشعوب الأوربية في وجه حكامها.
ومصطلح «الشرعية الدولية» بدلاً من قانون القوة والتفوق الاقتصادي والعسكري.

من يستخدم هذه المصطلحات ؟
وتساءلت الأستاذة رجاء عن الفئات التي تستخدم مصطلحات التضليل اللغوي ورأت أنها من النخب الفاسدة في كل مجالات الحياة للسيطرة على العقل الجمعي،مستخدمة مجالات اللغة المتوفرة من شعر وخطابة وبلاغة وخيال، كم تعتمد على الدعاية وتوظيف بعض العلوم المساندة كالتاريخ وعلم النفس والاجتماع.وختمت محاضرتها بالقول :إن التضليل اللغوي يعد من المغالطات المنطقية التي تستخدم لتوجيه المتلقي أو لجعله يؤيد فكرة دون أخرى والجمهور لا يستطيع كشف التضليل لأن المصطلحات من أصعب إدراكات العقل و معقدة ,إذ لا بد من تعريفها وهذا ثقيل على عقول القاعدة الشعبية ,خاصة وأن الجماهير غير مطالبة به بل هي مطالبة بالبحث عن نخب صالحة تبحث عن الحقيقة ,وليس عن المنفعة مبينة أن ظاهرة التضليل اللغوي انحراف باللغة عن وظيفتها الأساسية فهي ليست فقط لتحقيق التواصل والتعبير عن الذات ونقل المعرفة بل هي أداة للتضليل وعلينا أن نتبصر بالأمور و ألا نترك الموضوع على عواهنه .
ميمونة العلي