« القصّة » .. فنّ الأثر الشّامل..

في مطلع الكلام وإشراقته، فإنّ القصّة - كما هو معلوم لكثير من القرّاء المثابرين – لوحةٌ مصغّرةٌ لِعالَم يلتقطه الكاتب المُسْتأنِي، من زاوية محدّدة، تكشف عنه بأقوى ممّا تكشف اللوحات الوصفيّة الكبيرة، أو الكتب العلمية المُطوّلة! وعينُ الكاتب/ القاص الفنّان، تنظر إلى الأشياء نظرة موضوعية حياديّة.. إنّ الكاتب الحقّ، صاحب الخبرة والموهبة والمِران، لا يتدخّل في شؤون أبطاله، لا يقترح عليهم اتّخاذ موقف مُعيّن، أو التحدّث بطريقةٍ ما دون أخرى، إنه يسمح لهم فقط بأنْ يتصرّفوا وفق الإمكانات والشروط المتوافرة لهم، لأنّ القيام بغير ذلك، يعني فيما يعنيه: (المباشرة، والتقريريّة، والإسفاف، والسقوط في فنٍّ هزيلٍ مُبتذل).. وحتّى يأتي الكلام مُنصفاً مُتوازناً، فإننا لا نستطيع أن نجزم بصلاحية طريقة قصصية معيّنة دون سواها، إنّ هذه المسألة تهمّ المبدع بالدّرجة الأولى. السؤال الأوّل بهذا الخضمّ: من أين يأتينا الجمال، أو الإعجاب بهذا الفنّ الأدبي؟ الثاني: هل هو مُتأتٍّ من المضمون، أم من الشّكل؟ في الجواب: إنّ المضمون الجيّد، قد يواكبه شكلٌ جيّد، عندئذ تغدو العلاقة بين طرفي المعادلة، كعلاقة السّداة بالُّلحْمَة.. عليه، فإنّ الأعمّ الأشمل من الكتّاب القاصّين، ينطلقون في التعبير من المضمون أوّلاً، ليصبح الشّكل لاحقاً.. وهناك قلّة قليلة من المبدعين، يهتمّون بالشّكل كحدّ للجمال. سؤالٌ مُوالٍ: هل الاختيار اللغوي لبناء قصة قصيرة، يكفل لها قسطاً من الجمال؟ جواباً: من دون شك، فإنّ اختيار اللغة، يعطي فرصة للقصة القصيرة، في اتخاذ قدر من الموضوعية، يكفل لها قسطاً من الجمال، ذلك من خلال مواكبتها فِعلَ البطل، وتفكيره! لكنّ اللغة، المُبالَغ في تصنيعها وزخرفتها ، قد تشكّل عائقاً، وسدّاً منيعاً في طريق وصول القصة إلى غايتها، وهدفها المنشود.. والمهمّ والأهمّ: عدم الاستسلام للغةِ ومَجازاتها ومُبالغاتها، بقدر ما ينبغي أنْ تكون هذه اللغة مُوافية لقدر الحال.. عليه يجب القول: إنّ خصوصية لغة فنّ «القصة القصيرة»، متميزة، من خلال دورها في اقتصاد التّعبير، وفي المهمّة المنوطة بها. وهذا سؤال آخر: هل القصة القصيرة هي فنّ «الحَبْكة»، أم أنّها وحدة الصّراع لبناء المتغيّرات؟ في الإجابة: لا شكّ، في أنّ للحَبْكة دوراً في نسيج الفنّ القصصي، كما أنّ وحدة الصّراع، في سبيل طرح المتغيّرات، تشكّل توتراً في المناخ القصصي، ينوّع مضمون القصة، وقد يشكّل متعة للقارىء، لكنّ الحَبْكة الجيّدة، لا تعطي قصة جيّدة، أو قصة جميلة، وقد تكون كذلك! سؤال إضافي: هل الفنّ القصصي، هو محاكاة للواقع، أم أنّه نظير له، أم أنّه جزء منه؟ سؤال رديف: هل الواقع القصصي، هو الواقع المَعِيش المألوف؟ يقول الناقد والكاتب «ويلسون فوليت»: «كلّ شيء في القصّة صحيح، ما خلا القصة كلّها».. هذا القول يعطي أهميّة كبرى للفعل التّخيلي في الفنّ القصصي، لكنّه بالقدر ذاته، يعزل هذا العالَم المُتخيَّل، عنْ عالم الواقع. هنا يمكن القول: إنّ بعض القاصّين السوريين والعرب، يرغب في أنْ تكون قصته صادقة في تعاملها مع الواقع، لدرجةٍ، يحاول فيها أنْ يقنعنا، أنّ ما يكتبه، هو ما حدث في الواقع بالفعل، وأنّه ليس إلا ناقلاً لحدثٍ حدثَ... يقول أحدهم : «إنّ التركيز يتمّ على الحَدَث، الذي لم تكن القصة لوْلاه»! واليكم سؤال جديد: هل يمكن كتابة قصة قصيرة من دون «الوصف» ولا «الحوار»؟ جواباً: الوصف يقرّب المتلقّي/ القارىء/ المستمع من ظروف الحدث، لكنّ الحوار يهبُ القصة القصيرة قدراً من الحيويّة، ومن خلاله ينمو الحدث في القصة.. عليه فإنّ الوصف والحوار هما ركيزتان للقصة القصيرة.. أمّا السّرد، فإنه يحمل على عاتقه شخصاً آخر، قد يكون مُحايداً، وقد لا يكون.. بهذا التصوّر والإسهاب، يمكن القول: إنّ ميكانيزمات «آليات» السّرد والوصف والحوار، تعمّق صلة القصة القصيرة بالواقع. وسؤال متأخّر أو أخير: لكن ماذا عن (القفلة القصصيّة)؟ في الجواب أقول: إنّ القفلة القصصية شيء مهمّ في القصة، فهي دعوة جديدة للتأمّل والتقصّي والاستِكناه، ومحاولة إعادة فهم رموز القصة على مستويات عدّة.. قصارى القول: لقد اقتنع كثيرٌ منّا، كتّاباً وقرّاءً ومستمعين، بأنّ القصة القصيرة: هي فنّ الأثر الكلّي الشّامل، ونفهم «الأثر الكلّي الشّامل»، على أنه (لحظة التّنوير) في القصة القصيرة، وقد يكون خاتمتَها...
وجيه حسن