رغـــم الألــم

الجو بارد منذ الصباح ، صباح كئيب بالنسبة لها و هي رغم برودة الجو لا تزال مزروعة على الشرفة بلا حراك لأنها تعجز عن النوم في تلك الفترة الباكرة من الصباح ، تشعل سيجارتها و تنفث دخانها لتخرج من داخلها معظم همومها . تتمنى ان تصرخ و تصرخ فهي لم تنقطع عن حزنها الذي أخذ يصبغ أيامها ، تحس مع كل دقيقة تمر و كأن سكيناً حاداً ينغرس في صدرها
أخذت تراقب المارة الذين يروحون و يجيئون وجوههم متشابهة يشوبها السواد تحمل ما تحمله من الهموم و الآلام ، منشغلين بتسوق حاجياتهم اليومية .
كان لتدخل القدر و قسوته آثاره السلبية على قسمات وجهها الغض و الذي وضع حدا لأحلامها الحلوة مع شريك حياتها و التي عاشت معها طوال سني الزواج الأولى
تلك المصادفة قررت مصير زوجها التي سلبته قدرته على المشي في لحظة غدر بإصابة خطيرة في العمود الفقري .
استرقت نظرة سريعة إلى كرسيه المتحرك فالتقت عيونهما و أشرق وجهه بابتسامة حلوة و لم تفارق وجهه لحظة واحدة كان لا يزال قادرا على إسعادها يرمي بها في حديقة غناء تموت فيها كل آلامها كان ينتقل بين المشفى و المنزل و كله أمل في إيجاد علاج شاف يعيد الحياة إلى أطرافه السفلية التي أصيبت بالشلل التام ربما تأتيه بشرى من طبيبه المشرف على علاجه لكنه لم ييأس لحظة واحدة حتى و هو يرى الأطباء يهزون رؤوسهم في أسى و يعلنون في همس لقد فعلنا كل ما في وسعنا «حكماً قاطعاً ».
بات يجلس فوق مقعده المتحرك ذي العجلات الذي يدفعه بيديه أهداه له بعض أهل الخير .. فبدأت مرحلة جديدة في حياته يعتمد فيها على نفسه في كل شيء يؤدي ما يحتاجه من أعمال معتمدا كليا على الذراعين .
و رغم كل شيء كان حديثه العذب يسعد من حوله تعلم كيف يحرق كلمات اليأس على شفتيه لأنه لا يزال يؤمن بأن في قاع بحره كنوزاً نادرة هي ذكرياته على جبهات القتال مع رفاق السلاح تشد مستمعيه يستحضر جولاته و صولاته في أرض المعركة كنسر جارح ...مقاتل مغوار زرع الخوف في قلوب الإرهابيين الغرباء هذه الشعلة تتوقد ناراً و حماسة و حبا للوطن و للمستقبل و من أطفؤوه جسداً قد أشعلوه تفاؤلاً ووداً فالإصابة لم تفقده قوته الداخلية و حديثه المرن ينسي المقربين منه أنه بات لا حول و لا قوة له، كان يطلق النكات و يضحك من أعماقه و كانت هي تضحك معه و تداعبه.
يحدثها عن المستقبل و عن أمانيه و آماله عن سعادته بعودة الأمان و الاطمئنان إلى ربوع الوطن يتحدث عن حياتهما المشتركة و مشروعاتهما للغد و للأولاد و هي تستمع إليه في ذهول ... ذهول المفاجأة بما يملأ قلبه من إيمان ربما يفوق أقرانه الأصحاء بينما هي تبحث دائماً عن مكان قصي عن الأنظار تفرغ فيه دموعها و تصب فيه أحزانها التي تظل طوال النهار حبيسة نفسها .
لكنها في الوقت نفسه نذرت نفسها و حياتها له تسهل له الطريق فلا تريد أن تشعره بهول ما حدث .
كل شيء يجب أن يبدو طبيعياً على الرغم من شعورها أن رحلتها مع العذاب قد بدأت و أن قلبها سيبدأ بالتمزق و الانشطار .
لكنها حين ترى ابتسامته و هو يداعب ولديه الصغيرين يفارقها ألمها و يغادرها حزنها لتودع دموعها و هي تحاول ألا تفقد إرادتها وقوتها لحظة واحدة من لحظات حياتها .
عفاف حلاس