قصة ..السّنديانة!

شيءٌ واحدٌ كان يستثيرُ الناظر إليه: وجهُه كان معجوناً بالتحدّي؛ بتلك القرية النائية، عاش حياته، لم يهبط المدينة مرّة! كان صوت فيه رعد ورياح دائم الرّكض بأعماقه:
• «الإنسان هو الإرادة، هو الإصرار، هو التحدّي»!
الصوت كان يلوّن صدره بألوان «قوس قزح»، يجعله يتموّج بفرحٍ أزرق، من نوع رجولي.. «السّنديانة» بتلك الرّابية، كانت مظلّته الواقية، منْ لسعات الشمس المتوقّدة، سنواتها الخمسون، تفترش المكان، تعانق الجذور، شجرة قوية، أحبّها «سعفان» وأحبّته، صار بينهما نوعٌ من الصداقة الحميمة! بِغدوّه لأرضه، وبِرَواحِه منها، كان يداعبُ خصلاتِ أغصانها المتدلّية، أمّا هي، فكانت تنحني له بنوعٍ أقرب ما يكون إلى التبتّل والإعجاب! بكلّ مرّة، كان قلبه يمتلىء بفرحٍ مُزركش، وهو يراها مُتشبّثة بالأرض، صامدة أمام فنون الرّياح والعواصف، من صمودها الواثق، استمدَّ «سعفان» عزْماً إضافياً، قال بصوتٍ تزمّله الثقة والكبرياء، وهو في طريقه إلى أرضه: «لو أنّ الإنسان يتطهّر بالصّمود، بوجه التحديّات، لنَجَا منْ خطايا كثيرة»!! قلبه يكاد يغادر الجسد، وهو يرى أغصانها تتمايل طرَباً، كلّما اقترب منها، أو طافَ بها! ذات مساء، وهو عائدٌ من أرضه، فأسُه على كتفه، وكذا مِزْوَدُ الطعام، حدّث نفسه: «السّنديانة سرُّ صمودي، والتصاقي بالأرض، هي مرشدتي، كيف أكافئها؟! بل هي ضحكة عاشقين، ويَدَا مُحِبَّين، لا تتعبان من الدّفء والإبحار»!!
ابتسم في سِرّه: «ما هذه الأمواج المُنمنمة، التي تغزو شواطىء رأسي، بهذا الوقت، لماذا تغزوه»؟ لمّا وصل إليها، قبّلَ جذْعَها الثّخين، أغصانَها المُترَجّحة، حدّثها بحديث منبعُه القلب:
• «سِنديانتي الجميلة، أنتِ ملاذي بالحرّ والقرّ، أنتِ معلّمتي الجليلة، صمودك بكلّ الظروف يقوّي عزيمتِي، فأنا أستمدّ العزمَ منْ عزْمك، قوّتي لن تخور، لنْ أنسى ثباتك ما حَييت!
بوعي كبير، كانت السّنديانة تنصت إليه، تراقص أغصانها، تعبيراً عنْ إعجابٍ بالذي تسمعه! فكّر «سعفان» بالأفكار المتوهّجة التي اندلقتْ على لسانه بغتةً، انكفأ منْ هذا التّداعي؛ السّنديانة وقتئذٍ كانت تهزّ أوراقها اللمّاعَة، مُنتشية من معزوفة الاعتراف بالجميل! على عَجَلٍ ودّعها هذه المرّة، تذكّرَ أنّ زوجته «فارعة» سبقتْه إلى البيت، لتجهّز له الطعام قبل وصوله! «فارعة» الزّوجة الحنون، سنديانة هي الأخرى، بأخلاقها وإيثارها، أحبّتْ زوجها، أحبّتِ الأرض، وكتفاً لكتف، تساعده بعمليات الحرث، والبذر، والسّقاية، والتّعشيب، والتّسميد، و.. و .. ذات يومٍ وقعت عينُها عليه، رأت حبّات العرق تسبحُ بوجهه الأسمر النّضير، وهو منهمكٌ بحراثة الأرض، يمنحها عَرَقَه، لتمنحه الغِلال والجَمال! كان ذلك منذ سنين، حين قال لأبيه:
• يا أبتِ أريدك أنْ تستريح، لقد وهبتَ عمرَك للأرض، الآن جاء دوري، يمكنك أنْ تعتمد عليّ!
موافقاً هزّ الأب رأسه، لكن بعدما هطلت منْ عينيه الكليلتَين بضعُ دمعاتٍ سَخِينات، لا يدري أِمن فرحٍ، أم من سواه! منْ يومها، جرّ «سعفان» الثورين؛ بفرحٍ غامرٍ، انطلق إلى الأرض الطيّبة، مرّت هي على أرضها المجاورة، تزاوجت عيناها بحبّات العَرَق، بعينيّ هذا الفلاح الشّاب، بالرّيف صفاءٌ مُستمَدٌّ منْ صفاء الطبيعة، حالتئذٍ تطلّعت «فارعة» إلى السماء، بَدَتْ لعينيها زاهية مُوْرِقة، كما لو أنّها حديقة ياسمين! بالفرح امتلأ قلبها الأبيض، بلحظة سعيدة، بُحَيْرَة صدرِها طافت بالحنين المبارك، انضمّ كلّ شيء إلى كلّ شيء، غابت حدود الكائنات المُفرَدة! أمّا هو، فقد امتلأ بشوقٍ طاغٍ، انبجستْ برأسه هذه الكلمات: «أيّة مشاعر هانئة، يحملها قلبي الآن؟ أيّة عواصف جامحة تهبّ عليّ بِلحظة ماتِعة كهذه»؟ تحت شجرة السّنديانة، كان ثاني لقاء، وعاشر لقاء.. منْ تلك اللقاءات الورديّة، تجذّر الحبّ في قلبيهما! قال لها:
• أنتِ مَشتلُ وردٍ جُورِيٍّ لقلبي!
ردّت:
• أنتَ سِندِيانتي وسَنَدي!
مرّت على العلاقة العاطفية بضعة شهور، وكان اللقاء الجميل، بِعَقد القِران، من ذاك اليوم الأغَرّ، صار الحبّ دماً يفور بالشّرايين، يركض في تضاريسِ جسديهما، بكلّ ثورة الفرح!
مرّت سنة، سنتان، ثلاثٌ، خمس، لكنّ قمر السعادة لا يكتمل! أحلام «فارعة» و «سعفان»، أضحت مشنوقة بسقفِ المجهول! عَرَضَها على عددٍ من الأطباء، عَرَضَ نفسه كذلك، جاء الجواب مثل صاعقة: «زوجتك عاقر، ما في أمل»!
جُنَّ جنونه، الضياع يبتلع الحقيقة، انتفضتْ عروقٌ كأنّها تريد الانفجار! حملَ جسده إلى السّنديانة، طلب مساعدتها، هو في ضنكٍ وضيق، ألم يقل لها يوماً:
«أنتِ سرُّ صمودي، أنتِ معلمتي، ومرشدتي»؟
جسدُ الشّجرة كان لحظتها مُرْبَدّاً، لم يجبْه إلّا بالارْبِداد، أو هكذا خُيِّل إليه! تركها، رجع إلى البيت، هناك كانت عينا «فارعة» تحرثان سقف الغرفة، علّها تستنبط منْ أعماقها المظلمة قراراً! «سعفان» إلى جانبها، كان يُتمتم بلغة فيها حبّ وتصميم:
(أعشقك يا «فارعة»، هل منْ ولدٍ يحملُ اسم الأرض، واسمي؟ يلعبُ تحت السّنديانة، يتسلّق البيادر، يحمل لي مِزْوَدَ الطعام.. بالمساء يُسمعني نشيداً مدرسيّاً عن صمود الوطن، وتحديّاته)؟ أرْدف: «لنْ أطمئنّ إلى تقارير الأطبّاء هنا»، وفي بلد أجنبي، جاءته كلمات الأطبّاء، مثل مطارق تدقّ رأسهُ:
«زوجتك عاقر، لا فائدة، هكذا تبيّن لنا بالكشف الطبي والتّحاليل»؛ حمَلَ عصاه، عائداً لأرض الوطن، حبُّه لـ «فارعة» أقوى منْ كلّ التخرّصات والأقاويل:
«طلّقها»! «فارعة» امرأة عاقر، ما الفائدة منها»؟ «ما قيمة الرّجل بدون أولاد»؟
(ألا تريد يا «سعفان» ولداً، يحمل اسمك بعد عمرٍ طويل، ويخلفك بالأرض)؟
كانت هذه الأقاويل والترّهات وسِواها، تطعن قلبه كرماحٍ مَسْنونة، فألسنة الناس سِياطٌ حادّة!
«فارعة» على سرير الأسَى، ترقد مُفتَّحة الأوْجاع، بدا وجهها لـ «سعفان» تفّاحة ضاحكة، همس بِسِرِّه: ما ذنب هذه الإنسانة العظيمة؟ أمرٌ فوق إرادتنا، هي إرادة الله، أفنت شبابها معي بالعمل، ثمّ إنّني أحبّها وتحبّني، كيف أطلّقها؟ جوهرتي الثمينة لماذا أفرّط بها؟ أأنا الوحيد بهذا العالم بلا أولاد؟ أمرُ الله، وأنا راضٍ بحكمته»!
وضع رأسه على المخدّة، قرب رأسها، يتمتم: (أنتِ يا «فارعة» سعادتي الآسِرَة، إلى الجحيم كلّ تخرّصاتهم الغبيّة)! كاد «سعفان» يسترسل بمناجاته، ومكرمات «فارعة» تكبر بعقله وروحه، يتذكّر كلّ صمودها وتَعَبِها.. بقناعة تامّة، وبرضا لا تشوبه شائبة، غطّ هو الآخَر في نومٍ عميقٍ .. عميق!!
وجيه حسن