المشهدية ...البساطة ...الإدهاش... التنوع ...الغزارة... السمات التي خلدت قصيدة سليمان العيسى في ذاكرة الأجيال

كثيرة هي كتب الشعر الموجهة للأطفال ، فقد دخل عالم الكتابة الطفلية كم كبير من الكتاب ظناً منهم أن الكتابة للأطفال أسهل من الكتابة للكبار ، والحقيقة أن نص الطفل يحتاج إلى دريّة ودراية كبيرتين ،عدا عن الموسيقا والثقافة المعرفية والتربوية .وفي هذه المادة تتبعت السمات التي خلدت نص سليمان العيسى في ذاكرة الأجيال مستعينة بكتابين هنا : ( ظواهر التجديد في قصيدة الأطفال في سورية ) للأديب محمد قرانيا الموجود حالياً في مدينة أريحا المحاصرة.. فرّج الله عنه كربته ريثما يطهر الجيش العربي السوري هذه المنطقة ،والكتاب الثاني هو « شعر الأطفال في الوطن العربي « دراسة تاريخية نقدية لبيان الصفدي .
ظواهر التجديد
رأى الأديب محمد قرانيا أن تجربة الشاعر سليمان العيسى من أغنى التجارب الشعرية للأطفال في الوطن العربي وفي سورية ، فقد تمكن العيسى من تطويع فنه لمتطلبات التربية وهو متنوع الموضوعات وغزير الإنتاج، صاغ كل إمكاناته تلك في أناشيد ومسرحيات شعرية وأوبريت ومختارات عبرت عن تجارب إنسانية وقومية .
وقد استطاع الشاعر العيسى كتابة قصائد أشبه بالرسائل موجهة إلى الأطفال بلغة الصداقة فهو صديقهم الصغير ، عكس في تجاربه معرفته لعالم الطفل النقي الصافي وتجلى ذلك في معايشته للأطفال ومشاركته لهمومهم وأحلامهم ،حتى باتت أناشيده خالدة كالأوابد ،فمن منا ينسى قصيدته عن الأب التي يقول فيها : بابا بابا يومك طابا / دمت ربيعاً / دمت شبابا / لي ولأجل/ الوطن الغالي .
ثقافة تراثية
وما يلفت نظر المتتبع لنتاج الشاعر سليمان العيسى الغزير هو توظيف ثقافته التراثية كحكايا الشاطر حسن ، ليلى والذئب ، الغراب والثعلب ، والراعي والذئب ، كما استطاع الشاعر العيسى أن يتعامل مع جميع مراحل الطفولة حتى المراهقة، فقد كتب لمرحلة الثلاث سنوات بغزارة كم كتب لمرحلة الخامسة عشرة .
كما أبدع الشاعر في الأناشيد والمقطوعات الحوارية التي امتازت باللفظة الرشيقة والموحية عدا عن الصورة الجميلة الجديدة الموحية و المحملة بفكرة نبيلة تعلي من قيم الخير وتنبذ الخداع والمكر ، وقد تميز كل ذلك بموسيقا خفيفة مغناة فجميع أناشيده تصلح للغناء والتلحين .
وما أكثر الملحنين الذي أنشدوا ولحنوا :
ماما ماما يا أنغاما / تملأ قلبي / بندى الحب
أنت نشيدي / عيدك عيدي / بسمة أمي /
سر وجودي / أنا عصفور / ملء الدار /
قبلة ماما / ضوء نهاري / ماما توقظني /
في الفجر / يدها الحلوة / تمسح شعري /
أهوى ماما / أفدي ماما /
ويرى الأديب بيان الصفدي في كتابه : «شعر الأطفال في الوطن » أن موضوعات الشاعر العيسى تعكس تماماً ما آمن به طوال حياته كرجل قومي ، فهو لا ينفكّ يؤكد وحدة العربي والتغني بماضينا المجيد تفاؤلاً بالمستقبل فيقول : وطني أشجار وظلال / وترابي قمح وغلال / أتفيأ ظلك يا وطني / وأحب ترابك يا وطني / أرض الأجداد / وطن الأمجاد .
تقمص شخصية الطفل
واستطاع العيسى من خلال هذه الومضات إيصال فكرة الوحدة السياسية والجغرافية للوطن العربي بنشيد خفيف على إيقاعات راقصة متنوعة بوزن سريع وقوافٍ متنوعة تخلّص فيها العيسى من الهموم الثقيلة في عالم الكبار بلغة عذبة بسيطة مدهشة في آن واحد.
ويرى الباحث أن قصيدة العيسى الطفلية حافلة بالتجديد من حيث محاكاة عالم الطفل ودغدغة مشاعره والتعبير عن همومه وآلامه وآماله ، عدا عن إبراز هوايات الطفل كالغناء والرسم والنحت والتقليد ، والمحاكاة مبيناً أن التجديد لدى العيسى جاء في الشكل والمضمون عن سابق إصرار واشتغال من خلال ارتقائه بأدواته اللغوية والخيالية الصغيرة ومقدرته على التصوير بوعي عالٍ ، عدا عن اللوحات المشهدية التي تحكي عن مظاهر البراءة والفطرة في الريف معدداً مفردات الحقل والبيدر ، فقد استطاع العيسى تقمص شخصية الطفل .
ويرى الباحث قرانيا أن :
تجارب كثيرة عاصرت العيسى في الكتابة الشعرية للأطفال من أمثال : صالح هواري وبيان الصفدي وموفق نادر ومعشوق حمزة ، وجمال عبد الجبارعلوش ، وممدوح السكاف ، ومصطفى عكرمة ، وغيرهم الكثير، لكن الخط البياني التصاعدي كان مستمراً في التوهج عند تجربة العيسى . وبين قرانيا أن نهاية عقد الثمانينات عكس حالة من النهوض الإبداعي التي بشّر بها عقد الستينيات لكن مع بداية التسعينيات بدأ بالإنكسار وكثيراً ما عاود التكرار .
ميمونة العلي