بالعلم والعمل يعبِّد الروائي عبد الغني ملوك طريق الخلاص في روايته :«جسر على نهر جاف»

يحرص الروائي عبد الغني ملوك على تجسير العلاقة مع القارئ لذلك يختار الكتابة عن الحياة اليومية بكل تفاصيلها الصغيرة وقضاياها الكبيرة ,منتمياً إلى مدرسة عريقة في الكتابة الواقعية دون الحرص على اللغة الشعرية التي سادت في الفترة الأخيرة في عالم الرواية, لذلك جاءت لغته فصيحة بسيطة في رواية «جسر على نهر جاف»فالروائي ملوك في مجمل رواياته لا تستميله المفردة الشاعرية بقدر ما تسيطر على قلمه الفكرة والدراما وبالتالي اشتغاله على الموضوع وتناميه بغض النظر عن الأدوات والتقنيات ,ومن هذه الزاوية نستطيع الدخول في عوالم رواية «جسر على نهر جاف» للروائي عبد الغني ملوك الذي شكل علامة فارقة في الإنتاج الروائي الحمصي فقد صدرت له خلال الحرب عشر روايات وتحمل هذه الرواية الرقم سبعة بعد «أواخر الأيام» و «السوسن البري »و«أحلام الذئاب» «والمعجزة ومرايا النهر » و «ثلاثية مجامر الروث»
المكان
تدور روايته في بلدة كفر الرمان يقسمها جسر جاف إلى حيين غربي وشرقي لكل منهما لونه الخاص, فكأن الجسر هو الحد الفاصل بين اللونين وهما يتعايشان بوطنية وإنسانية حتى دخل بينهما غريب جاء إلى البلدة مدعياً أنه تاجر من سمرقند غرقت سفنه في البحر ولجأ إلى بلدة كفر الرمان البعيدة عن البحر ,ولكن ما لبث أن سقطت عنه الأقنعة ,فهو كما يبدو من سياق الأحداث قد باع ابنه لأحد سكان البلدة واسمه عمران العقيم الذي سافر منذ سنوات عديدة خلت إلى سمرقند بهدف التجارة مع زوجته ثم فاجأ أهل القرية بولد صغير ادعى أن زوجته حملت به خلال السفر وأنجبته ,ولكن هذا الولد انضم لوالده البيولوجي «الغريب » وقام بقتل من رباه عمران وزوجته وورث عنه كل أملاكه لا سيما المزرعة الوفيرة العطاء ,ويقدم لنا الروائي ما يفسر هذا الحقد عند الولد المسمى «جانتي «بأن أمه الحقيقية ماتت قهراً عليه بعد أن استغل عمران فقر والديه واشتراه من أبيه خلال سفره في سمرقند.
الخلاص بالعلم
يطرح الروائي عبد الغني ملوك الحلول لمشاكل شخصياته المأزومة عن طريق الشخصية الرئيسية فراس وهو قريب عمران وطالب في الثانوية مجتهد وملتزم ,وعلى يديه يأتي الخلاص فهو من أنقذ البلدة من التاجر السمرقندي وولده وهو من خلص «حنان» حبيبته من مرض اللوكيميا عندما آمن أن الأمل بالشفاء هو الحل فتزوجها بعد إعلان مرضها ليعطيها الرغبة بالحياة والعلاج ,وهو من أوجد حلاً لمشكلة فقر حسن شقيق حنان عندما أعطاه المزرعة التي ورثها عن والده لكي يستثمر الأرض فيها ويتمكن من الدراسة والعمل معاً ,وعلى يدي فراس أيضاً كان خلاص «خضرا»الفتاة التي أجبرها والدها بسبب الفقر على الزواج من رجل غريب هرم تفوح منه رائحة النفط, لكنها هربت منه ليلة الزفاف عندما انهال عليها بالضرب والتعذيب وفراس أمن لأسرتها فرصة عمل بتحويل الأرض البور إلى بيوت بلاستيكية لزراعة النباتات الطبية . والكاتب من خلال شخصية خضرا يعالج مشكلة تزويج الفتيات الصغيرات من الغرباء الأثرياء تحت عنوان زواج المسيار وهو يثور ضد هذه الظاهرة ويطرح الحلول بالعلم والعمل فقد عادت خضرا للدراسة وعادت أسرتها لتعمل في الزراعة وما يميز الرواية بأنها تجد حلولا للكثير من المؤسسات الخاسرة بتحويلها إلى شركات مساهمة مغفلة حتى تزرع حب العمل والربح في نفس العامل .
شخصيات واقعية
تتميز رواية «جسر على نهر جاف» بأن شخصياتها واقعية نعايشها في حياتنا اليومية وهي في حالة صراع دؤوب من أجل البقاء لكن الكاتب ينتقد بعضاً من تلك الشخصيات بأسلوب ساخر فبعضها يحركها الأموات في قبورهم . يقول واصفاً كفر الرمان في ص 11:«هي كأي بلدة من بلاد هذا الوطن الممتد من الماء إلى الماء على أرض من الرمل والملح ,يحرك أحياءها الأمواتُ من قبورهم , يترعرع النقل على حساب العقل ,والإبداع بدعة وكل بدعة ضلالة ».
وما يحسب للروائي عبد الغني ملوك أن قلة من الكتاب الذين يتجرؤون على خلخلة الموروث وانتقاد التقاليد البالية بهذه اللغة الواضحة , فالكاتب يضع قلمه في عين الفساد بكل أطيافه وألوانه ويحاول قدر المستطاع تدوير الزوايا مع الرقابة ومقصها عن طريق الأسماء والمصطلحات ,وإيضاح رؤيته في الاعتماد على العلم والعمل من أجل الخلاص .الرواية تقع في 380 صفحة من القطع المتوسط مقسمة إلى ستة عشر فصلا وهي جديرة برفوف مكتبتنا فهي تيسر الطريق أمام الجيل الشاب في التعرف على تجربة فراس بطل الرواية الناجح مما يجعل الرواية جديرة بالقراءة.
ميمونة العلي