قصة ..الكائن الذي لا يأتي

هذه المرة دخل البيت، فلم يجد زوجته. .تنقل بين الغرف، كأنه يأمل أن يجدها في إحدى زوايا البيت، اقترب من أصص الورد المنشورة في كل زاوية، منتظرا أن يرى وردة جديدة، فكثيرا ما سمع عن نساء تحولن إلى ورود جميلات، لكنه أيضا لم يجدها. . منذ ثلاثين سنة تزوجا. والآن هي خارج البيت. قالت له منذ أسبوع بصوت هادئ: الولدان سافرا ، واعتقد أنه لم يبق أي مبرر لبقائي في هذا البيت. قد تحملت ما فيه الكفاية، وليس بمقدوري أن أتحمل أكثر. .من يسمع ما أقول قد يضحك علي ، وسوف اسمع الكثير من التعليقات السخيفة، لكنني لم أعد أطيق النظر إليك، ولا سماع صوت تنفسك في الليل، ولا حتى رؤية أسنانك وأنت تضحك. .وأمام كل هذا الكلام، لم يكن أمامه إلا أن يصمت، ويجلس على الكرسي الهزاز يتأرجح ويفكر: «هل كنتُ سيئا معها إلى هذه الدرجة»! ورضخ لرغبتها آملا أن يلعب الزمن لعبته، فهو طبيب العاطفيين، فكم حول جروحا إلى ندبات، وكم حول ندبات إلى حب سمسم. . فكان يغادر البيت قبل أن تستيقظ من نومها، متوجها إلى عمله حاملا جبلا من الكآبة، ويعود بعد أن تكون قد نامت حاملا جبلا من الخوف من مواجهة عينيها. أيهما أصعب الكآبة، ام الخوف؟ ولأنه اقتنع أن الخوف أصعب، قرر أن يقضي معظم وقته خارج البيت منتظرا أن يلعب الزمن لعبته، لكنه الآن عاد ولم يجدها في البيت. .تناول شطيرة من الحمص الناعم، وجلس على الكرسي الهزاز، وسأل نفسه: ماذا يمكن أن تفعل امرأة في الخمسين غير أن تهجر زوجها البليد؟ يمكن أن تتجه إلى بيت أخيها الكبير بعد موت والديها، ويمكن أن تستأجر غرفة قريبة من مكان عملها، ويمكن أن تكون قد سافرت هي الأخرى مثل ولديها إلى ألمانيا. . وسأل نفسه أيضا: ماذا يمكن أن يفعل رجل في الخمسة والخمسين غير أن يتحمل هجران زوجته له؟ وغير أن يستعيد ذكرى حياته الماضية معها، ويعرف متى أساء لها، وكيف ، ولماذا أساء لها؟ يمكنه أيضا أن يعرف أن زواجه كان أكثر المحطات الفاشلة في حياته، فمنذ البداية أعلمته أنها لا تحبه، وراهن على الزمن، يمكن أن يأتي الحب بعد الزواج، ولكن بعد الزواج جاء كل شيء، الألفة، والاحترام، والأولاد، وحده الحب لم يأت. .فكر كثيرا: ماذا كان عليه أن يفعل كي يأتي الحب؟ ماذا كان عليه أن يفعل كي يسمح لحبه هو أن ينصهر بها وتضيء شمعة حبها هي. يضحك. ما فائدة كل هذا الألق الذي وصل إليه في حياته وعمله، ما فائدة أن تغير مجرى نهر الحياة، في الوقت الذي تعجز فيه عن تغيير بوصلة قلب امرأة عاشت معك ثلاثين سنة؟ بعد كل الانكسارات والانتصارات التي عاشاها معا، والأمنيات، والأحلام، والأوهام، والأيام الحزينة والسعيدة، بعد كل ذلك لم يأت الحب؟ كيف يأتي إذن؟ ليس بسهولة يمكن أن يأتي هذا الكائن. ومن يدري ربما هذا الكائن لا يأتي، إنما هو يولد مع المرء، فيبحث هو نفسه عمن يسكنه. وانتفض كمن لسعته أفعى: الزمن. .يا إلهي، غبي من يعتمد على الزمن كي يحل مشاكله. .كيف لم يشعر أنها كانت تكره الزمن، وتنتظر منه هو الآخر أن يكره الزمن. .ثلاثون سنة مرت وهو «يتعكز» على الزمن، في كل مسارات حياته. التهم ما تبقى من سندويشة الحمص، وغادر البيت مسرعا.
د . جرجس حوراني