ديوان القصيدة الجامعة.. للشاعر باسل أحمد علي الحارة

ثمة مقدمتان لديوان الشاعر باسل أحمد علي الحارة ، الأولى للشاعر عبد الرحيم خليل يوسف، والثانية للباحث والشاعر الدكتور معن صلاح الدين علي ، وهكذا فالأديبان الفاضلان لم يتركا للباحث في الديوان والدارس له، ما يذكره علاوة عما تحدثا به . ولكن ما لا يدرك كله يدرك جلّه .. فلعل هذه الدراسة ترتقي إلى مستوى الشعر الأصيل ، والأدب الرفيع للشاعر أحمد فأسرة الحارة أسرة أدب وعلم وشعر على وجه الخصوص فوالد شاعرنا هو الشاعر المعروف الدكتور أحمد أسعد الحارة ، وعمّه الشاعر المرحوم صلاح الدين ومقدمة الشاعر تقول ما معناه « الشعر حفظ للعرب تاريخهم» وهذا صحيح ولعل الباسل يحفظ لنا شيئاً هاماً من تاريخنا الحالي عبر قصائده ، وهو ما يشكر عليه ويجزى به .
حين نتأمل قصائد الشاعر باسل الحارة ، نرى كل موضوعاتها وحتى الغزلية تتماهى مع الوطن . فجلّ شعره للوطن وقائد الوطن ، وهو الموضوع الأثير لمن يتعلق بتراب الوطن ويفتديه . و صفة « الوطنية» التي نطلقها على شاعر ما ، هي تعبير عن ارتباط شعره بقيم الوطنية ، والدفاع عن الأرض والعرض ، والاستشهاد في سبيل أن يبقى الوطن عزيزاً كريماً والفخر بالشهداء والتاريخ العربي . فهو يكتب بالضوء لا بالحبر ، لأن ضوء الوطن يتماهى مع حروفه . يقول من قصيدة بعنوان : « الشام « :
/ يا سامعين الصوت حيوا الشاما
حيّوا بلاد الياسمين شآما
الشمس تغزل من سناك وشاحها
والمجد قلّد غوطتيك وساما
والقاسيون على الحضارة شاهد
شهد الشموخ حقيقة تتنامى
لا زلت قلباً للعروبة نابضاً
بالحق كوني بردها وسلاما /
ومدخل كرامة الإنسان هو الشهادة أو الموت المقدس في سبيل الوطن . فلا مسافة بين حرية الإنسان وحرية وطنه ، ولا ينفصل الإنسان عن وطنه هذه هي الفلسفة الشعرية للشاعر باسل أحمد علي الحارة . الشهيد نور وضمانة للوطن ومستقبله وللأمن والسلام لشعبه . يقول من قصيدة
« شهيد الوطن »:
/ الأصل من أجداده
والعز في أحفاده
النور في آحاده
كتب الهدى بمداده
وكتاب أحكام الصمود
يخطه بزناده
إن الشهيد مدارس
فالعلم في إسناده
لبىّ نداء ( وجاهد
في الله حق جهاده )
ولعلنا نشير إلى أنه يضّمن بعض الآيات القرآنية في شعره ، وهذا دليل ثقافة واسعة ، تزيده علماً وحجة ، وهي عدة الشاعر في الفكر والبلاغة .
وجماليات القصائد عند الشاعر ، جزء من جماليات الروح وهذا جزء من جماليات الإيمان بالوطن . ومن هنا فليس من السهل الإلمام والكتابة المنصفة عن الوطنية في شعر الباسل بن أحمد ، لرحابة الموضوع وتشعباته ،لكنها تأملات وابتهالات لقصائد تحقق تفرداً .فالمشهد الشعري العربي الأصيل ،من أيام امرئ القيس مروراً بالعظام كالمتنبي وأبي تمام وصولاً إلى عمر أبي ريشة وبدوي الجبل وأحمد أسعد الحارة (والد الشاعر الباسل )تزدهر القصيدة الفراهيدية عبر الزمن في لغة الضاد ..تقرأ من قصيدة (القصيدة الجامعة ):
وطن العروبة بالمحبة واحد
والحقد قسمه إلى أجزاء
هي قصة يا صاحبي في صورة
أبطالها لبّوا أبا الزهراء
لابل فزدهم إن عرفت كمثلهم
ممن بعالي المجد كالجوزاء
كتب الإله لنا فضائل حمده
حين استعانت حاؤنا بالباء
والشطر الأخير ،كما نرى دعوة للحب ،لأن كلمة (حبّ)توحد وتجمع ،ووطننا واحد موّحد ..ودعاة التفرقة والتمزيق إلى هزائم نكراء وجحيم أبدي فالحب أقوى وهو حب الوطن الجامع الموحد .
القصيدة الوطنية تزدهي وتزدهر وتثمر أفكاراً وطنية خالدة يؤكدها الشعر العربي على يد شعرائه كالباسل وأمثاله .
وحين مفتاح القصيدة شعاع وطني ،مفرداته الوضوح والقوة فليس للغيوم مكان ولا للدخان ...إنّ عتبات قصائد الشاعر باسل أحمد علي الحارة تشي بمضمونها ..وتذكرنا بمطالع القصائد للشعراء الكبار .
يقول في مطلع قصيدته (شجاعة المحبة ):
في الحق لن أخشى ملامة لائم
ندم الجبان ولات ساعة مندم
إن المحبة جرأة وشجاعة
من يوق شح النفس فيها يسلم
ونقرأ مطلع قصيدته (أمي )فيزيدنا الشوق إلى أمهاتنا فالأم مدرسة ،كما قال شوقي ،وحنانها سيل لا ينضب كما يقول باسل أحمد علي الحارة ..ويتماهى الخاص ،أم الشاعر ،مع العام ،أمهاتنا ..نقرأ :
ماذا أقول بعيد من تمشي
من تحتها الجنات بالقدم
وتهزّ باليمنى أسرّتها
وتهزّ باليسرى ذرى الأمم
أخلاقها صدق وموعظة
وحنانها سيل من العرم
إنّ من الصعب اختصار ديوان شعري في مقال أو دراسة .لكنني آثرت الإضاءة على الجانب الوطني من شعر باسل أحمد علي الحارة ،وليس من السهل أبداً الإلمام بتجربته الشعرية التي تفتح أبواب العلاقة بالزمن باعتباره الجزء المتعلق بالإنسان فرداً ،أو بالتاريخ باعتباره الجزء المتعلق بالوطن وتقاطعهما .فجماليات الأسئلة من جماليات الشعر والحس المتوهج الذي لا يفارق روح الشاعر .وإذا كان الأثر المباشر لهذه القصائد في نفوسنا إثارة الكبرياء والحماسة والروح الوطنية والمثل العليا فهذا يعني أنّها أثارت أحاسيسنا ومشاعرنا الايجابية .وهذا دور الشعر ودور الشاعر وياله من دور إنساني ثقافي حضاري .

عيسى اسماعيل