الترحّل..عبر الذات والآخر.. قراءة بانورامية في سرديات ملك حاج عبيد

ولعله ليس مصادفة أن يكون العامل المشترك بين قصص ملك حاج عبيد أنها تنبض بشريان الذاكرة لقصص المسافرين عبر الذات، وعبر الزمان والمكان، الحالمين بالخيرات والغلال والألوان، والعائدين المحمّلين بحفنة نقود مغمّسة بالخيبات، والإنكسارات، والحسرة على ما فات من سنين العمر عبثاً. وكأنها ترصد من خلال هذه السمة المتكررة حركة الإنسان المُتَعيّن في هذه المرحلة، منذ صبوته إلى كبوته، بلبوس البحث عن الذات، إذن، إنه الترحّل - عبر الذات، عبر البلاد، عبر الذاكرة الموجعة، غالباً- عنوانٌ عريض لنصوصها..الترحّل ..بآمال مجهضة، وطفولة مهيضة، وهروب من واقع مجحف إلى واقع أكثر إجحافاً، وخوف من الآتي، وارتباك في الطريق، ثم العودة بغلال من الخسران والنكوص.
أليست هذه هي صورة الإنسان في هذه الحقبة الشديدة الخصوصية؟ وهو ينعجن في طاحونة سوداء، تهرس الغثّ مع الثمين؟.فهي بالرغم من أنها تعطي شخوصها حرية الحراك والتنقل في المكان، ولكنهم لم يستطيعوا مغادرة أقدارهم ، وما من خلاص لأحد إلا فيما ندر، رغم محاولتهم المستميتة لتغييرها ورسم أقدار جديدة، ولكنهم في النهاية يفشلون في رسم مصيرهم، وكأنها تريد أن تقول: إن الفرد المحكوم بقوى مختلفة، من أي جنس كانت تلك القوى، فإنه لا فكاك له بالبحث عن الخلاص الفردي .
ثمّة حركة دائرية ،وعود على بدء، إذن ثمّة طريق آخر للخلاص، فجميعكم محكومون بأغلال منسولة منذ ما قبل (والموؤودة إذا سئلت) حتى اللحظة، وإلى أن تعوا ذاتكم .وقد عبرت عن ذلك بلغة مُضمّخة بحرارة العاطفة، وصدقها، وعفويتها، ما أسبغ على نصوصها القدرة على استحواذ المتلقي بكافة مستوياته .
أسلوبها الرشيق،وجملها الفعلية القصيرة،الصور المتلاحقة تلاحقاً لاهثاً، ولوحاتها ذات الألوان الزاخرة بالحياة ، كلّ ذلك جاء صورة معبّرة عن الموضوعات التي طرحتها، وعن شخصياتها المأزومة ، القلقة، والمقهورة غالباً، والتي، قليلاً ما تكون متمردة، في حراك زماني، ومكاني قلق، وبحث دؤوب لا مجدٍ عن خلاص.
في معظم نصوصها كانت الساردة امرأة، تنطق من عمق معاناتها، ومن رحابات تطلعاتها المشروعة . حيث سردت الأنوثة بموضوعية، ونأت بها عن أن تكون مجرد جسدٍ فاتن مضمّخ بالعطور لإغواء الرجل ، بل صورت المرأة في معظم نصوصها متعلمة ، مكافحة، خاضعة لشرطها الاجتماعي، لا متمردة، ولا ترفل بالحرير واللآليء ويحيط بها الخدم في قصور الرفاه، إلا فيما ندر من شخصياتها النسائية كمقابل موضوعي لتظهير الصورة العامة لشخصياتها، التي استنبتتها من الطبقة الوسطى المتعلمة والعاملة، داخل الوطن، وخارجه، فكان من الطبيعي، أن تخفت عندها إلى درجة الهمس تلك الأنات التي دمغت سرد الأنوثة لدى الكثير من الكاتبات.
تنوعت الموضوعات التي تطرقت إليها الأديبة ملك بتنوع قضايا الإنسان، وتناولت نصوصها المواضيع الأكثر سخونة وتوتراً، في مناخ يكاد يفقد فيه العربي القدرة حتى على استخدام جسده ويفرض عليه أن يستجدي حياته الخاصة ، حين يلوب على مساحة مشمسة لحبّه، حين يلوب الفلسطيني على بيت يؤويه، حين نهاجر بلا جدوى حين..حين.. حين ..
وقد أفردت مساحة واسعة لسرد الفساد، الذي نخر في النفوس والمجتمعات، بأشكاله الواضحة والملتبسة:
في قصة (الحيتان) يتاجر الفاسد بكل شيء، حتى لو كان العرض والوطن في سبيل المال.
في قصة (أوديب والعشيرة) حيث الوصول إلى المناصب بمؤهلات لا علاقة لها بالكفاءة العلمية، بل بكفاءات أخرى:
« تسعة من حملة الشهادة الجامعية، وهي لا تحمل إلا الثانوية العامة، ولكنها الرئيسة، إنها تملك تنورة قصيرة، يقولون :بالإغواء تستطيع أن تصل إلى كل شيء «.
في قصة( حبيبتي لمى) تُمنح الجوائز بالغش لأبناء المتنفذين ممن لا يستحقونها، ويُبعد المستحقون، ويُحرم الوطن من الكفاءات الحقيقية التي تمثله، وقد ترفع اسمه بين الأمم .
في قصة ( في ضوء القمر) ترصد الفساد، يقول رئيس المخفر الذي يخفي جريمة ابنه السارق الحقيقي، ويتهم فتى لا ذنب له، بعد أن أجبره على الاعتراف « اللص قد اعترف بالسطو على منزلك، والإعتراف سيد الأدلة، فماذا تقولين؟ همستُ بصوتٍ مبحوح وأنا أرى ابن رئيس المخفر السارق إنسان آخر ».
في قصة (أوديب والعشيرة) تطرّقتْ إلى سلوكيات المجتمع الشرقي عموماً، حيث تصور كيف يستسلم الأبناء لقيم الآباء بالتفريق بين حبيبين ..
في قصة (حب وحزن) تتوقف عند أهم قضايا الإنسان، وهي الحرية.
في قصة (أرى ملامحك في وجوههم) تعرّي الأديبة الشاب، الذي تشرخه ازدواجية الطرح والممارسة، كما تفضح زيف اّدعاء التحضر، عند من يخفي بدائياً تحت زيّه الأوروبي .
أما في قصة (البيت) –ولعلّها، تقصد ليس البيت الفلسطيني الذي يُهدم دائماً فحسب، بل السقف العربي المهدّد برمّته، وتبيّن أن القضية الفلسطينية ليست قضية الفلسطيني وحده، بل قضية العربي، فتقول على لسان الساردة زوجة الشاب الفلسطيني:
« المأساة لا تخصّك وحدك يا خالد، إنها مأساتنا جميعاً، وأن تكونوا أنتم أول من اكتوى بنارها، فهذا لا يعني أن النار لن تصلنا».
يقول خالد الفلسطيني، الذي يلوب على بيت يأويه :
« ما أصعب أن يحس الإنسان بأنه غريب في كل مكان ، وأن دون وطنه طريقاً مسدودة، يحرص الجميع أن تبقى مسدودة ».
تقول له: « ليس الفلسطينيون وحدهم من يريدون، جميعنا مستهدفون».
في قصة (ياسمينا تسترجع أو... تتخيل) حيث المتاجرة بالإنسان، وقصة الخادمة الهندية، التي حوّلها الظلم والعبودية من طفلة رقيقة حالمة بالعودة إلى مروج قريتها الهندية، إلى وحش قاتل ، تحلم مستمتعةً بذبح أطفال مستخدِميها .
أما في نص (المتوحشون) فإنها تسخر بمرارة، من الغرب المتحضّر، الذي يتداعى فيه الجميع، من الجيران، والمارّة، وحتى الشرطة، من أجل قطة ليست قطتها، فيتّهمونها بالوحشية، لأنها تركتها خارج البيت في الجو البارد، في الوقت الذي يذبحون فيه الفلسطينيين والفيتناميين، وكأنها ترصد صورة المفارقة الكونية إياها، والتي تكرّرت بعد كتابتها لهذه القصة، في العراق، وأفغانستان، ومسرح الجريمة الصهيونية ، فلسطين:
« فتحتُ الباب، فرأيت رجلَي بوليس، يحملان قفصا فُرشت في أسفله بطانية زهرية اللون، وقد رقدت القطة فوقها،تذكرتُ صورة جندي أمريكي يبتسم، وهو يحمل سلة قد ملأها برؤوس مقطوعة لثوار فيتناميين،رأيت الطائرات تغير على مخيمات الفلسطينيين،ورأيت أطفالاً يُذبحون بالسكاكين، ورجالا تحصدهم النيران،وأطفالا، بنقاوة الياسمين، يفتحون صدورهم العارية لرصاص المتمدنين «
في قصة السؤال، لا تفقد الأمل بالجيل، الذي تظنه في قصة مواسم الضحك أنه جيل منحل وفاسد، إذ تفاجأ بالوعي المتفتح لابنة الستة عشرة :
« الآن، هي صبيّة، أخاف عليها من الوقوع في الخطيئة،فتواجهني بهذا الوعي، وهي تنظر إليّ بعينيها المحمرّتين،متأثرة من مشاهد الانتفاضة».
في( مواسم الضحك) تتألق الأديبة ملك وهي تنحو منحى الكوميديا السوداء في تداعياتها، وهي تراقب فراشة، تحوّم، وتحطّ على خارطة الوطن العربي، المعلقة على جدار قاعة المدرسين:
« استحالت الفراشة مركبة فضائية، حطّت في جزيرتنا العربية، وتوافد أخوتنا السماويون، يعمرون الأرض، ويغمرونها فرحاً، نحن لا نعرف الفرح، والأرض تريده،ليأتي القادر على العطاء، لا فرق بيننا، إننا أبناء كون واحد، تباركتِ يا أرض الله، تباركتم يا أخوتنا في الكون، من قال إننا لا نرحب بكم؟نحن لا نحمل تعصباً،نعطيكم وعدا مسبقا، بأننا سنؤمن بكلّ العقائد، التي لم تولد بعد، تتدفق من النافذة أغنية عن الحب، فتقول :» لماذا يكذبون؟ من الذي يتجرأ على الحب، لترجُمَه الألسنة والحجارة ؟من يتجرأ على قول الحق؟ماذا سيحدث لو نشرنا ما في نفوسنا؟ ولكن، يجب أن نتوازن لنستطيع المسير،إلى أين؟إلى ميسلون، أم إلى القدس؟ وراحت الفراشة تتجول في فضاء الغرفة مع اللحن الجميل وتناسقت حركاتها في انسجام رائع، غير أن نهيق حمار انطلق وأجفلها، حوّمتْ جزعةً، وسقطت في كأس الماء منتحرةً حرقا أو غرقاً، صحوتُ على صوت المدير: (تدفّقي يا أرض اللهب، وأشرقي يا دولة العرب ،وحدة العرب لن تموت،و.....يغصّ الصوت».
ومن المنصف الإشارة إلى أنه، وبرغم كل السواد، الذي يلفّ قصصها، إلا أنها دائماً ترى ضوءاً يتلألأ في آخر النفق المظلم .
أخيراً ..إن الأديبة ملك حاج عبيد مختلفة..ليس لأنها أديبة وامرأة فحسب، بل، إن اختلافها الذي أعنيه، هو الحضور الإبداعي الفعال، الحضور الذي يخوّض في مستنقع الواقع، ويعايش بصبر كلّ ما فيه من قذى وقذارات، مفتوح العينين، يسكب منهما الضوء على ما ركد، وتكلس، وتأسّن، ثم يتجاوزه صوب النبع العذب، في الأعالي السامقات .
وأودّ أن أختم بعبارة أدونيس : «إذا كانت الكتابة الإبداعية مهمّة، فلأنها التأسيس لممكنات تحرير الإنسان، وبناء الحياة الكريمة،وعمل الكاتب في هذا الإطار هو أن يجابه المجرى البائس للأشياء، وأن يجابه الخضوع البائس لهذا المجرى ».
إذن لن تتوقف شهرزاد عن سرد الحكاية،حتى يتوقف شهريار، قبيل الفجر بقليل، عن قتل العذارى.
غادة اليوسف