نافذة للمحرر...أدباء في الذاكرة . . البازياري

أدين بمعرفة الشاعر القديم –البازياري –للأديب الأستاذ عبد الرحمن الخير ،وكانت هذه المعرفة بالنسبة لي متأخرة عندما قرأت مقالات للأستاذ الخيرعن هذا الشاعر الذي لا يقل عن الشاعر العباسي الحسن بن هانئ –أبي نواس ،وما نعرفه عن –البازياري –أنه سوري المنشأ والاماكن التي ترددت في شعره جميعها في دمشق وضواحيها ،فهو يتنقل في مرابع دمشق من منتزه إلى روض ،مستمتعاً بشبابه ويساره:
في روضة أزهارها تزهو على الزهر السواري
مابين أشجار ترا قص بين أنهار جواري
ما العيش إلا في دمشق وفي الشباب وفي اليسار
والشاعر البازياري فاق الآخرين في التفنن بوصف الخمر ،فقد أبدع في رسم لوحات نادرة تدل على ذوق أدبي راق ،فقد تفوق في وصف صفاء الكأس ونقاوة البلور والتنقل من معنى جميل إلى معنى أجمل :
رقت فكادت لا تبين لناظر
في كأسها لولا نسيم ذكائها
نسج المزاج شباك در فوقها
كي لا تطير لطافة من مائها
لم تختلط بالماء عند مزجها
فالماء يشربها لفرط صفائها
هو في الزجاجة وهي فيه كأنها
للناظرين إناؤه بإنائها
والبازياري كأبي نواس يسيل شعره سهلاً نقي الديباجة ،إذ لا تجد لفظة غير مأنوسة .فهو شاعر مطبوع ومثقف بثقافة عصره .
وقد وردت عنه القصة الآتية :كان قد صحب اثنين بدمشق من كبار رؤسائها ،ورؤساء كبرائها ،أحدهما العزيز بن صصري والآخر العماد بن القلايني ،وكانا إذا خرجا إلى التنزه في بساتينها دعياه وإذا عزما على الشراب كتماه .فخرجا مرة ولم يعلماه ،فأقاما أياماً ،ولبعدهما عانى أواما ،وقاسى لفقدهما غراما،فلما حضرانه ،بعث إليه ابن صصري بطبق فيه عنب ،فكتب فيه البازياري قصيدة طويلة يختمها بالقول :
وبعثت لي بأبي المدام تعللا
تالله لست بمثل هذا أقنع
مولاي إنك قد أسأت الظن بي
إن خلتني عن شربها أتورع
د. غسان لافي طعمة