قراءة أسلوبية في القصيدة الومضة... شعر الدكتور : شاكر مطلق أنموذجاً

 تتألف القصيدة الومضة من تناظر شكلي يتوازى فيه عمودان أ و ب و هما :

-        أ -

-        ب -

(( لمبةٌ )) هذا الجسدْ

(( لمبةٌ )) هذا الجسدْ

مِنْ خلايا النَّشوةِ الأولى

مِنْ خلايا الطَّاقةِ الأولى

يفيقْ

يفيقْ

أمْ يوافيهِ اشْتعالْ

أمْ يوافيهِ احْتراقْ

و هْوَ في ليلِ الحريقْ؟

و هْوَ في نصفِ الطَّريقْ ؟

يتوزع هذا النص حسب مكوناته اللغوية وفق التصنيف الآتي :

بلغ عدد الكلمات في أ و ب ثلاثين كلمة موزعة حسب الآتي :

الأفعال

الأسماء

أسماء الإشارة

الضمائر المنفصلة

المتصلة

النعت

حروف العطف

الجر

الاستئناف

4 مضارع

16 اسماً

2

2

2

2

2

4

2

يوضح هذا التوزيع للقصيدتين أ و ب وعي الشاعر للتجربة التي يخوضها ، إذ تقوم على تناظر شكلي يعتمد ثنائية تتوازى فيها المكونات اللغوية في العمود أ مع المكونات اللغوية في العمود ب من خلال تقابل الأسماء و الأفعال و حتى الحروف ، إذ يتكون كل عمود من خمسة عشر لفظاً موزعة توزيعاً متعادلاً من حيث الصيغ .

المقطع أ كما في المقطع ب ينقسم إلى :

الضمائر

الأسماء

نوعه

متصل

منفصل

نكرة

معرفة

اسم إشارة

مفرد

جمع

هو

(( هو ))

لمبة

الجسد

هذا

الطاقة

خلايا

   

اشتعال

الطريق

 

الأولى

 
   

نصف

       

إن هذا التناظر الدقيق يجعل من الشاعر ذا مشروع تجريبي لا يحاول فيه إظهار مقدرته اللغوية و حسب ، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة ابتداع أسلوب تعبير يقوم على تطويع اللغة عبر علاقات لغوية مكثفة تقوم على تشابه البداية التي يستهلها بــ :  المكون الاسمي :  لمبة هذا الجسد الذي يحاول فيه تقديم حقيقة الخلق الأولى عبر تجسيد الوجود الإنساني بدلالات المنتج الحضاري المادي : ( لمبة)   ، و في هذا التجسيد ما يُقرّب النص من مرجعيته الدلالية التي ينطلق منها و يؤسس عليها ، إذ يتماهى المادي بالمعنوي من خلال تشابك دلالات المفردات التي تعيد إلى فكرة الولادة باستنتاج علاقة السبب و المسبب ، فالنشوة الأولى سبب في إيجاد الجسد المضيء ، كما أن الجسد المضاء ، إنما هو ناتج عن هذه النشوة غير المسبوقة التي يحاول الشاعر أن يسبغ عليها بُعداً مثالياً يرتقي من خلاله بالإنسان إلى عالم الخير و النور و نوازع الوجدان الطيبة ، و لذلك يبدو الشاعر ميّالاً إلى منح نصه نزعة تأملية تشف عن توقٍ فكري في رغبته إشراك الآخر فيه من خلال طرح تساؤلات تعكس الهاجس القلق لدى الشاعر و الشاغل له في تفسير معضلة الوجود ، و الوصول إلى معرفة حقيقة الحياة و ماهيتها التي تبقى مستعصية على الكشف ، ليظلَّ لغز الحياة حافزاً يدفع بالفكر و الشعر معاً على التساؤل في محاولته العبثية معرفة الحياة و ناموسها المتحكم في الطبيعة التي لا ينظمها منطق ، ليبقى التساؤل مشروعاً و البحث عن جواب غاية الوجود و جماليته المُحفّزة على الاستمرار ، و لعلَّ البعد النفسي لا يغيب عن هاتين المقطوعتين من خلال علاقات التوازي و التماثل على الرغم من هذا التوازي الشكلي الذي يوحي بالتنابذ و التباعد، فإنَّ المقطوعتين تلتقيان في طبيعة التساؤل الذي لا يبدو باحثاً عن جواب ، لأنه تساؤل المستكشف العارف قدر غايته في إثارة الآخر و تحريضه على المشاركة في دلالات النص و مراميه الأخيرة عبر البعد الفلسفي الذي لا يتأنّى من خلال التنظيم و التوزيع و تساوي عدد المفردات و يكتشف الإيجابيات و حسب ، بل يتعدَّى ذلك إلى البنية اللغوية التي تقوم على علاقات إسناد متوازية.

 تعكس القصيدة الومضة وفقها توازيها  دلالات نفسية ترتبط بفكرة الخلق و الولادة ، فالاسم لمبة يبدأ فكرة ، و هو موجود بالقوة ، لأنه منتج حضاري مادي تماماً كما هو الجنين الذي يتشكّل في بطن الأم ، ثُمَّ تتضح سيرورة هذا الجنين ، ليتحول إلى اسم إشارة ، إذ يبدأ  هذا المولود بأخذ سماته الوجودية ، ليأتي بعد ذلك الاسم المُعرَّف : (الجسد ) الذي يمنح هذا المولود حيزه المكاني من خلال إعادة الحديث عن مكوناته ، و هي التي عبّرت عنا شبه الجملة (( من خلايا )) و للجمع المؤنث هنا دلالته التي تفيد على المستوى الدلالي الحالة الإرجاعية للمرأة الحاضنة التي تجعل هذا المولود يظهر إلى الحياة و الوجود من خلال لحظة سكون و ثبات أشار إليها التركيب الوصفي : (النشوة الأولى) ، لكنَّ هذه السيرورة تتعطَّل على المستوى النفسي بما يعترض هذا المولود ، فيُعبّر حرف العطف  عن هذا القطع الذي يفيد التحوّل هنا  ، و تغيير اتجاه سير الحدث من التصاعد إلى الهبوط ، و من الحركة إلى السكون ، ولذلك نجد أن النصف الثاني في العمودين بعد ( أم ) يغيب فيه الاسم ، و ينوب عنه الضمير المتصل أو المنفصل في قوله : أم يوافيه اشتعال و هو في نصف الطريق ؟ ، و لذلك دلالته على المستوى الإيحائي حيث التغيب اللغوي يعكس انتفاءً لحضور المولود الذي عطلت حركته من الصعود إلى الهبوط  ، و هذا ما يعبر عن حقيقة الوجود عبر توازي طرفيه : الحياة و الموت ، فكما أن الحياة و الموت يقعان على طرفي نقيض من حيث الواقع إلا أنهما يتممان بعضهما بعضاً ، إذ كل حياة لا بد و أن تختتم بالموت ، وهو ما تؤكده البنية اللغوية لهاتين المقطوعتين ، فالتوازي في الشكل ينتهي إلى تلاقٍ عبر تأكيد إحدى الحالتين اللتين تشيران إلى الدلالة ذاتها ، و هي إثارة الحسّ الانفعالي لدى الملتقى من خلال سؤال يظلُّ مفتوحاً على الاحتمال و التوقع .

د. وليد العرفي