لا وقت للعيد- كتابات نثرية لسعاد سليمان ... مجموعة من الأقاصيص غير المكتملة ترسمها بالكلمات بأسلوب متقن ...

بكثير من الثقة تعيد الزميلة سعاد  سليمان تجربتها الأدبية بإصدار جديد يحمل عنوان- لاوقت للعيد- ، بعد إصدارها السابق نور ونار الصادر عن أرواد للطباعة والنشر والتوزيع لعام 2018 والذي تكثف فيه الكثير من المحطات الحياتية التي مرت بها منذ طفولتها وصولاً لدراستها الجامعية ومن ثم زواجها ودخولها معترك الحياة وصولاً للأحداث التي رافقت الحرب الكونية على سورية التي لم تغب عن مقطوعاتها النثرية في محاولة ربما لتقديم سيرة ذاتية غير معلنة وغير واضحة المعالم لكنها بالتأكيد كانت ترسم وتوثق في بعض اللحظات حالات إنسانية عديدة خاصة بها تجاه مايجري وماجرى على الساحة ..

في كتابها الثاني " لا وقت للعيد " تبتعد الزميلة " سليمان " عن الأشياء التي تأخذ عمقاً في خصوصية حياتها الشخصية بعض الشيء لكنها لاتفارق إحساسها تجاه مايجري أمامها من وقائع مؤلمة ومزعجة حد الوجع فهي ترسم بكلماتها أدق التفاصيل وكأنها فنانة تشكيلية تهتم بالتفاصيل الدقيقة جداً لتقدم لوحة جميلة تتراقص ألوانها المؤلمة أمام القارئ وهي بذلك تعبر عن أسلوبها الجميل في الوصف والرسم بكلمات تقارب الحقيقة والواقع الذي يحتاج إلى عين نظيفة تتلقى المشهد وتترجمه بكلمات ولعلها كانت خير مترجم لتلك الحالات التي وصفتها وترجمتها بكلماتها على الورق ولعل نصوصها النثرية التي قدمتها في " لاوقت للعيد " لم تغادر الحالة النثرية إلا ماندر حيث أن ذلك الجهد المبذول في الرسم لم يكن ينقصه سوى الدخول في عالم القصة ، ولو أنها استثمرت هذه الموهبة في الرسم بالكلمات واشتغلت على كتابة القصة لكنّا أمام قاصة ترفع لها القبعة ، وأعتقد أن هذا ليس صعباً على الزميلة سعاد سليمان لاسيما أن لها تجربة في كتابة قصص الأطفال وهي إن حاولت في كتابة قصص الكبار فسوف يكون النجاح حليفها لأن معظم الحالات النثرية التي حواها كتابها " لاوقت للعيد " يمكن أن تكون مشاريع قصصية هامة فيما لو اشتغلت عليها وذلك ربما لأن العمل الصحفي الذي تمارسه الآن كمديرة لمكتب الوحدة بطرطوس جعلها تنساق وراء السرد الصحفي ناسية أو متناسية فن القصة الذي كانت على الدوام تبدأ به في معظم مقطوعاتها النثرية التي بلغ عددها أكثر من 120 مقطوعة ضمها كتاب من القطع المتوسط بـ254 صفحة .

وسوف أتوقف عند بعض المقطوعات التي جاء بها الكتاب ومنها " امرأة تتقن فن الحياة ص(5) حيث تقدم حالات عديدة لنساء عملن تحت ضغط الظروف للعمل بمهن أزواجهن كبائعات أمام عربة فول ، أو امرأة تعجن وتخبز فوق رصيف أو في زاوية من شارع أو بائعة فلافل أو بائعة في سوبر ماركت وضعت اسمها عليه " سوبر ماركت أم علي " أو بائعة لبن أو نادلة في مقهى أو في مطعم لكن الملفت للنظر هو الخاتمة المدهشة التي تقول فيها : من لم يكن عنده امرأة أغلق محله وكتب بالخط العريض :

مغلق بسبب الدفاع عن الوطن ...نعود بعد النصر بإذن الله .

في تدمر ص(54) تتحدث عن الشهيد خالد الأسعد الذي وثق بما قدمه لتدمر أن لايضام ولايجرح فلم يهرب وقد نسي أن للصحراء قسوة الرياح وغدر الوحوش وبقي معلقاً هناك لأيام فوق عمود نور مطفأ وسط المدينة ص(55)

وفي " الطريق إلى القرية " ثمة حالة نقدية للسرافيس التي تحشر الركاب حشراً على حد قولها بشكل يشبه قفص الأفراخ فالطريق إلى الدريكيش مسقط رأسها على الرغم من جمال الطريق إلا أن تلك المظاهر تبدو مشوهة في هذا الزمن الذي يبدو مادياً وليس مهماً عند هؤلاء السائقين سوى الربح المادي فقط ..

وفي " غيمة ماطرة " ص 59 تتحدث عن قافلة الشهيد التي تسير عبر الجبال لتصل إلى منزل ذويه مشيرة إلى أن مسيرته استمرار لسيرة الأبطال من صالح العلي إلى يوسف العظمة وهنانو وسلطان باشا الأطرش .

وفي " عند اللقاء " ص59 تقدم لوحات متناثرة عن مشاهداتها لحمص من مدخلها الغربي بدءاً من أحجار مصفاة حمص السوداء فهي تعبر عن حزنها العميق لما تراه أمام عينيها فتقول : سحابة قاتمة تملأ الروح وأنت تدخل معبدك القديم .. لقاء الحبيب المريض يؤجل الفرح حتى الفرج وتنتهي مشاهداتها بالتفاؤل حين ترى باص النقل الداخلي يضم طلبة قدموا إلى جامعة البعث من كل المدن السورية يبعثون الأمل من جديد في مستقبل قادم وفي حكايات ص80 تتحدث عن حمص التي عاشت فيها سنوات الطفولة والصبا وغادرتها في أوج الحرب الكونية إلى طرطوس.

لتقدم توصيفاً حياً للمؤامرة الكونية التي حلت فيها وجعلت الحياة صعبة حيث تقول : حمص المثال الحي عن الحرب على سورية.. أدواتها الغباء والحقد ,غادرت ... وبقيت نتائجها تتبعثر بها على الأرصفة وفي الشوارع والطرقات المغلقة والأبنية المهدمة. وتختم : حمص تخرج من عنق الزجاجة تحتاج أياد ماهرة لتعود زجاجاً معشقاً وخشباً منحوتاً وحجارة سوداء منيعة وتقدم أقصوصة في " جرذ في سرفيس ص 86 " عن جرذ في سرفيس يجعل الركاب يوقفون السرفيس ويهربون بعد أن يكون صاحب السرفيس قد قبض الأجرة من الجميع وتستكمل حالة وجود الجرذان في أماكن أخرى كالكورنيش البحري في طرطوس وفي قاعة محاضرات إحدى الهيئات الثقافية وتقدم في " بين حمص وطرطوس ص 88" هواجس وأفكاراً في رحلتها بين حمص وطرطوس ويؤلمها قطع الأشجار على جانبي الطريق حيث كل الطرق تشهد عمليات قتل جماعي للأشجار نفذتها أرواح بشر يسكنون تلك المناطق يطلبون الحياة بعد أن غاب الدفء وبات الحصول على الوقود ترفاً وأغلقت المحطات أمام روادها " صور من الواقع ص 116" تقدم ثلاث قصص قصيرة تنجح بحبكة تفاصيلها ولعل القصتين الأخيرتين عن الأطفال فيهما من التكثيف والجمال الشيء الكثير وسأروي القصة الأخيرة على سبيل المثال :

كانت الطفلة اللطيفة تقف بين أخويها المتخاصمين على الدوام تحاول تهدئة الأمور ، وحل المشاكل بينهما ، وحين تعجز ،و يصعب الحل تقول لهما : لا تضربا بعضكما .. اضرباني أنا ..

لا وقت للعيد جديد الزميلة الصحفية سعاد سليمان كتابات نثرية كما وصفتها هي مجموعة من الأقاصيص غير المكتملة إلا في بعضها وهي حسب ما أعتقد لم تكن تتقصد ذلك هي أرادت أن تقدم مادة مقروءة وجميلة وقد فعلت ونجحت بذلك إلى حد بعيد بأسلوبها السهل والمتقن والممتع ولكن السؤال هل يمكن  للسيدة ، " سليمان " أن تفاجئنا في الفترة القادمة بكتاب جديد فيه قصصها الممتعة والرشيقة كما فعلت في كتاباتها النثرية التي لا تقل شأناً عن أي إنتاج أدبي .

عبد الحكيم مرزوق