رحيل شاعر الجبل بدر عبود ديب...

قبل عشرة أيام من بدء العام الجديد ،وقبل ثلاثة أيام من عيد الميلاد المجيد لوّح الشاعر بدر عبود ديب موّدعاً ...!!.أبى العام 2020 إلاّ أن يفجعنا بمبدع آخر ...!!

عرفته قبل ثلاثين سنة ...كلّ الريف الغربي من حمص  يعرفه ويحفظ بعض شعره كان بعيداً عن الإعلام..لكنه نشر قليلاً من شعره في صحف :العروبة وحمص والثقافة الأسبوعية , وديوانه الضخم الذي أصدره عام 1974 وترك أثراً في المشهد الشعري , شاعر القصيدة الوطنية وشاعر المرأة "أبو تمام "....لم يعد بيننا ،يا لحزن القوافي ..ويا لخسارتنا .

في كل المناسبات الوطنية والقومية كان ينشد ..وفي المناسبات الاجتماعية كان نجمها الشعري كحفلات التأبين ومناسبات الأفراح ..ارتبط اسمه ببلدته "رباح "التي استقر فيها بعدما عمل لعشر سنوات مدرساً للغة العربية في مدارس حمص ومعهد إعداد المعلمين ....!!

ذكره معجم البابطين ونشر نماذج من شعره .ولكن ثمة كتب عن الحركة الشعرية في حمص لم تسمع به ،مثل كثيرين من شعراء الريف الحمصي وحدها –العروبة –نشرت له ونشرت لقاءات معه خلال السنين الماضية ..هذا ما يقوله رحمه الله .

"خمور الأندرين "ديوانه الصادر عام 1974 وصدر الجزء الثاني منه قبل سنوات , هو سجل شعري للأحداث الوطنية والقومية ,الوطن والمرأة موضوعان أثيران لديه .

لفلسطين نصيب كبير من شعره يقول في قصيدة له:

/على فلسطين أجسادنا مزقُ

ما ضمّها في ثرى الأجداد  حفّار

لانمت إن لم أنم في عبّ داليةٍ

غرستها بيدٍ في كفّها الثار ُ/

والمرأة ،في شعره ،رمز للجمال وللوطن وللحياة .غزله جميل ،ووصفه مدهش ...والقصيدة تأتي دون موعد ،فجأة ،عندما تحضر المرأة .

فهل كان بدر شاعر سليقة ؟!ربّما

يقول في قصيدة /لقاء الحبيبة /:

/سدرة المنتهى أفاءت علينا

وأسالت نسيمها وعطورهْ

لك أرجوحةُ تهزّ بها فينوس

ما بين أغنيات مثيرهْ

فرش الحبّ تحتنا جناحيه

ورمنا فوقنا السلام سريرهْ

صهرتنا أشواقنا الحمر حتى

لا يميز العشير عشيرهْ

ويحضر حفلاً وفيه جميلات كثيرات ..فيقول :

قلبي فدىً للغانيات القلوبُ

تذيب العاشقين ولا تذوبُ

لبسن غضارة وكسين ماءً

كماء السيف مورده رهيب

أبنت الشمس كم غامرت حتى

لمست سناك فابتعد القريب

وتبدو من خلال شعره ثقافته العميقة ،واطلاعه الواسع على الأدب والتاريخ ..تبهره قصة عروة بن الورد فيكتب له قصيدة يقول فيها :

أتلوم نفسك إنْ هجرت سد وما

حاشى لمثلك أن يكون ملوما

فارقتها لما أردت حنانها

برداً ..فصيرت الحنان جحيما

قد أنكرتك وباعدتك وكلما

واصلت ..ترجع خائباً مكلوما

عربية بدوية علّى بها

نسر فخلفت البغاث مقيما

ولد في رباح عام 1937, كرّس حياته لتدريس اللغة العربية وكتابة الشعر وإلقائه  و رباح التي بنيت كما يقول في سفح جبل أشم إحدى بلدات حمص الغربية ،أربعون كيلو متراً شمال غرب حمص ،حيث التفاح والكرمة والغار والسرو والبلوط ...لا أعذب من هواء الجبل ولا أطيب ...."

في آخر حديث معه ،قبل ثلاث سنوات ،نشرته في "العروبة "سألته إن كان يعتبر نفسه "شاعراً منسياً" فأجاب :"ربّما أكون كذلك ..لأنني أعيش في الريف ،بعيداً عن الإعلام والمراكز الثقافية ..ولأنّني مقل في النشر....!!)

محدّث بارع ،حديثه ، مثل شعره جميل ، رقيق ، مقنع فيه صدق وود ووفاء .

وأخيراً ..رحل شاعر القصيدة العربية الأصيلة بدر عبود ديب وهو الذي أولع بالتراث العربي وعشق اللغة العربية ...وقد أطلق على أبنائه أسماءً تعبر عن هذا الولع وذلك العشق (تمام ،جرير ،عروة ،بثينة ).

السلام لروح الشاعر بدر عبود ديب ....!!

عيسى إسماعيل