الأديب الراحل محمد طراف ورواية " سعدى"...

منذ أيام وفي أثناء زيارته للوطن ، فاضت روحه إلى باريها . وبذلك تحققت أمنيته أن يموت في سورية وأن يدفن في بلدة القبو  في محافظة حمص مسقط رأسه... إنه المرحوم  الدكتور محمد طراف الطبيب والأديب المغترب  في فرنسا منذ أربعين سنة ونيف .

 أبصر النور في قرية القبو في ريف حمص الشمالي الغربي ودرس المرحلة الابتدائية وكذلك الإعدادية في البلدة والثانوية في مدينة حمص .. غادر الوطن للدراسة في فرنسا وتخصص في  طب العيون ونال شهرة  واسعة فعمل في أهم المشافي الفرنسية المتخصصة بطب العيون واعتمد كتابه ( زراعة العيون والجراحة المزهرية ) مرجعاً في الجامعات الفرنسية  .

 كتب الرواية  والقصة للكبار والصغار بالفرنسية ثم ترجمت بعض كتبه للغة العربية مثل رواية ( سعدى ) و (قصص للفتيان).

كان يمضي وقته في المشافي وفي المنزل في القراءة والكتابة . وكان يقص على أولاده القصص .. لأنها توسع مداركهم و تنمي خيالهم  ، وفي لقاء صحفي معه نشر في صحيفة الثورة  قبل سنوات قال: من الصعوبة جداً بعد أربعين سنة من الغربة والزواج من أجنبية العودة إلى الوطن ,لكن الوطن كما يقول لم يغب عنه أبدا.. بلدته القبو و مدينته حمص وأهله وأترابه .

تخصص في / طب العين / لأنها مرتبطة مباشرة أكثر من الأعضاء الأخرى بالدماغ .. والعين نافذة الإنسان على الكون .

وكان لديه مشروع لترجمة أعماله إلى العربية نفذ منها ترجمته لرواية ( سعدى) بالاشتراك مع الأديبة ابتسام نصر الصالح فهو يكتب للإنسان بشكل عام  ولاسيما الإنسان العربي ولا تزال قريته راسخة في ذاكرته فكما يقول المثل الفرنسي ( الإنسان يتغذى من طفولته , والوطن داخل كل إنسان سواء أكان  في وطنه أو كان بعيداً عنه ).

وفي منزله ثمة مكتبة كبيرة نصفها للكتب العربية عن الشعر العربي ، من طرفة ابن العبد .. وصولاً إلى نزار قباني ولعل أشهر أعماله روايته ( سعدى ) التي كتبها بالفرنسية أولاً كما أسلفنا وترجمت عام 2010 إلى العربية ونشرت في سورية. وهذه الرواية فلسفية وعميقة الأفكار . ( سعدى)  المرأة تتقمص في ثلاثة أجيال أو ثلاثة أرواح ترمز لثلاث حضارات ،فهي مذ كانت في رحم أمها ، تسمع الحوارات بين أمها وأبيها وزائري المنزل ..!! وتختزن ذاكرتها كل هذا .

 أراد أن يترجم أعماله للعربية كتعبير عن التصاقه أكثر  بالوطن ، لا بحثاً عن الشهرة والمال ، وإنما للعودة للجذور وتقديم خلاصة الفكر والروح للوطن .

 وقد جمعت الأديب الدكتور محمد طراف صداقة قوية مع الأديب والشاعر ورئيس وزراء فرنسا الأسبق دومينيك دو فيلبان الذي  كتب مقالاً في إحدى الصحف الفرنسية عن رواية ( سعدى) لصديقه محمد طراف قال فيه :

( إن الرواية تبحث عن وحدة الروح التي جسدتها  الشخصية المعقدة والعميقة للبطلة سعدى ونسجت الرواية خيوط حوار ومصالحة بين الناس والحضارات عبر اللقاءات التي قامت  بها سعدى والمشاهد الداخلية للرواية .." ويتابع دوفيلبان قوله : " لقد أظهر المؤلف محمد طراف مشاهد وخصوصية للمواقف والحوارات والشخصيات ، مما يجعلني أتمنى أن تتحول إلى فيلم سينمائي عالمي ، لأنها تقدم الكثير من الأفكار العميقة الإنسانية وتدعو إلى تكامل الحضارات..!!

وفي أثناء زيارته للوطن عام 2010 التقيت "أنا  كاتب هذه السطور" الأديب الدكتور محمد طراف في أثناء زيارته لي في صحيفة العروبة ، وتشعب الحديث وأفادني أن روايته ( سعدى) ومؤلفه ( عن العين وجراحتها ) نالا شهرة كبيرة في فرنسا وأن الرواية طبعت عدة مرات من قبل دار نشر فرنسية شهيرة ,و تمنى أن تلاقي الرواية بنسختها العربية بعض الشهرة لان رواج الكتاب هنا نادر جداً, ورأى الدكتور طراف رحمه الله أن على الجهات الثقافية مثل وزارة الثقافة و اتحاد الكتاب العرب العمل على ترجمة نتاج الأدباء العرب المغتربين الذي يلقى رواجا في المغترب.

و تقول الأديبة ابتسام نصر الصالح التي شاركت د. طراف في ترجمة رواية " سعدى " للغة العربية :" إن طراف لم يكن  يريد أي مردود مادي لقاء نشر الرواية باللغة العربية بل كان الهدف أن تصل للقارئ و تشكل قيمة ثقافية و اجتماعية مضافة في المشهد الثقافي العربي .

يقول الشاعر و السياسي الفرنسي دوفيلبان في مقال آخر في " لوموند الثقافي " انه قد قرأ الكثير من الروايات العربية المترجمة مثل روايات نجيب محفوظ و الطيب صالح ولكن رواية " سعدى " لا تزال في ذاكرته لان أحداثها غير عادية فهي تحمل روحانية الشرق و عبق تراثه الدافئ و الحضارة المشرقية العربية ويشير إلى أن وصية "سعدى " مؤثرة وخاتمة مبتكرة تمثل إبداعا روائياً للروائي محمد طراف فهي تقول إذا قدر لي أن أعيش حياة ثانية فأرجو أن أكون خرساء حتى لا أصغي لزعيق الإنسان و لا أسمع غناء العصافير و هي تسقط برصاصة غادرة من صياد محترف ..!! 

حبي لكم أيها الأحباء فانتم ما زلتم قادرين على سماع الحقيقة و لازالت لديكم القدرة على إمكانية مسامحة المخطئين و لنغن معاً :

اضحك /بكاء

شوارع

ماالذي بقي من الليل من البحر من الرياح

من الحب من الأشجار من المدن

لم تبق سوى القصص القصيرة التي تجعلني انهمر في البكاء

 

عيسى إسماعيل

traaf21.jpg