رواية " مدن و نساء" لغتها واضحة وسلسة

منذ اللحظة الأولى يصيبك العنوان بالدهشة، يفتح أمامك  السؤال الكبير و الهام : ما علاقة المدن بالنساء؟ّ!

ولعله السؤال- المفتاح للدخول إلى عالم هذه الرواية (مدن و نساء) للأديب عيسى إسماعيل وهي الثانية له بعد روايته  (رصاص في حمص القديمة), التي ترجمت إلى اللغة الروسية .
{مدن ونساء}عنوانٌ يخبرك منذ البداية أنّك أمام كل ما في المعاني من تناقضات، وأنك ستزور مدناً مع أصحابها وتعيش معهم لحظات الحبّ والكره...الأمل والألم, و سترتبط كل مدينة بامرأة تحمل كل منها صفات الأخرى وتتحدث بصمت عنها.

عبير بطلة الرواية التي كانت محور الأحداث, فتاة عرفت الحب عندما كانت في الصف الأول الثانوي، وارتبط حبها للطبيب ماهر، بما تثيره كلمة طبيب في مجتمعنا من إعجاب, فكان هذا مثار حسد صديقاتها.
أحبت زوجها الذي سبب لها الألم عاشت على فتات ذكريات أيام الخطوبة وسنوات زواجها الأولى كان في حياتها شخص أحبها هو المحامي عبدو الذي كان يؤدي الخدمة الإلزامية عندما تعرف عليها لكن ماهر استطاع أن يحظى بقلبها.
تزوجت ماهر و تركت العاصمة دمشق التي ولدت فيها،  عاشت مع زوجها في بداية زواجها في إحدى القرى النائية في مدينة حمص لأنه عين طبيباً في مستوصف تلك القرية .
تحملت ضرب زوجها لها وشتائمه، لأنها كان تكره لقب [مطلقة] لكنها قررت في النهاية الانفصال عنه فلجأت للمحامي (عبدو) الشاب الذي أحبها عندما كانت في الصف الأول الثانوي.

شخصية عبير متردّدة, فيها تناقض واضح ترفض الطلاق لكنها تبادل (عبدو) الإعجاب, الذي يتطور إلى  حبّ يزورها في بيتها ، وتطلعه على مذكراتها التي تحمل كل تفاصيل حياتها مع زوجها.
يرفع لها (عبدو) قضّية الطلاق لكن الموت يخطف زوجها قبل أن يقدم عبدو مذكرته للقاضي.

 ماهر: هو الزوج الطبيب|.|.. شخصية متناقضة كان له في كل مدينة يزورها امرأة ,مع أنّه كان يحب عبير...

 بدأت حياته بالانهيار عندما بدأ يتعاطى المخدرات وقد تعمد الروائي عدم ذكر سبب تعاطيه المخدرات, عندما علم والد عبير بتعاطي زوج ابنته للمخدرات, أبرم له عقد عمل في السعودية وكان يريد بهذا أن يبعده عن المخدرات, وأن يتخلّص من عواقب معرفة الناس بالأمر فهذا يضرّه اجتماعياً و بعدما وصل ماهر الرياض تعلّق بامرأة في العقد الخامس من العمر,اسمها (ليلى), وتزوجها .وهي امرأة ثرية, ساعدته في تثبيت أقدامه في مدينة الرياض, وحصوله على أجر إضافي في المشفى الذي يعملان فيه.
ليلى: امرأة بدينة ذات عينين سوداوين, لم تكشف الرواية كثيراً من جوانب شخصيتها لكنها تبدو امرأة ماكرة تصطاد الرجال بدهاء، وتستغل الثروة التي حصلت عليها من زواجها الأول الذي فشل لأنها لم تنجب.
وفي الرواية شخصيات ثانوية مثل {زهرة} صديقة عبير التي كانت تزورها بشكل شبه يومي, وتتناولان القهوة, وتتحدثان عن زوجيهما.
وهناك شخصية{أم عبد الله} وهي ربّة الأسرة السعودية الوحيدة التي تسكن في العمارة التي يقطنها ماهر ، وقد تعرفت عليها عبير  في الرياض وبعد عودة عبير إلى سورية كانت أم عبد الله تتصل بها  بين الحين و الآخر لتطمئن عليها.
وهناك شخصية{فاطمة}وهي من العراقيين  الذين لجؤوا إلى سورية هرباً من الاحتلال  الأمريكي .

الكاتب قسم الرواية إلى مجموعة من العناوين و كل عنوان كان يساعد في رسم تلك اللوحة الجميلة، وهذه العناوين  تركت الكثير من الفراغات يبين سطور الرواية,و هذه الفراغات  يملؤها القارئ بخياله ويربط بينها بسبب هذه العناوين..
كانت طريقة تقديم الروائي لشخصيات الراوية بسيطة لكنها كبساطة الشمس وهنا كان الروائي بارعاً حين أخذنا إلى كواليس شخصياته.
جرت أحداث الرواية في ثلاث مدن حمص ودمشق والرياض  في هذه المدن عرف ماهر امرأتين إحداهما أحبها حتى مات والأخرى كانت دواء لمرض آخر وجودها مع ماهر في الرياض حقق له مكاسب مادية كثيرة ساعدته في جمع ثروته واقتناء بيت وسيارة وعيادة كبيرة...لكنها كانت السبب في شرخ حصل بين ماهر وعبير أدى إلى طلاق  روحي و جسدي بينهما, وقبل أن يصبح شرعيا, بموت ماهر , قبل أن يعرف نية عبير رفع دعوى للتفريق بينهما .
لغة الرواية واضحة, سلسة والكاتب متمكن من لغته, قادر على نسج عباراته بطريقة  السهل الممتنع.
كانت نهاية الرواية مفتوحة  فقد ودعت عبير عبدو, لكنّها طلبت منه ألاّ ينساها، وأن يكون جاهزاً لاستقبالها إن عادت له يوماً  وقد أخبرته أنها ,على الرغم من حبها له  وقد أخبرته عن الخاطب الجديد الذي جاءها, وهو صديق والدها,و يكبرها بسنوات كثيرة.

  ثمّة سؤالان مطروحان تجيب عليهما تصرفات وأفكار الشخصيات , وهما: إلى أيّ حدّ تؤثر البيئة في بلورة الشخصية ؟ و على العكس ما أثر الشخصيّة في البيئة (المجتمع) ؟

 روعة محمد وليد عبارة