تحية الصباح .. سعة الذاكرة

قرأت منذ عقدين مقالاً علمياً عن آفاق الكمبيوتر – الحاسوب – ومستقبله، وأصابتني حالة من الدهشة عندما علمت أن طموح مصممي – الكمبيوتر – أن يصلوا إلى تصميم جهاز كمبيوتر أو حاسوب قادر على اختزان ماتختزنه الذاكرة البشرية ، وازدادت دهشتي عندما عرفت أن المصممين إذا استطاعوا تحقيق هذا الطموح فهم يحتاجون إلى دارات الكترونية ضخمة لا يمكن تصورها .
ومنذ ذلك الوقت أصبحت أكثر تدقيقاً في تقدير حجم الذكريات التي تختزنها ذاكرتي ، وهي ذكريات جميلة في معظمها وإن تكن ذكريات السنوات التسع الأخيرة غلب عليها السواد، أشعر بمتعة الذكرى التي لاحدود لها وأنا أسير الهوينى بحذاء جلدي ومريول اسود اعبر الوحل – الجاموقة – باتجاه المدرسة الريفية الابتدائية في القصير ، وعندما أصل إلى المدرسة تتجلى لي شخصية المعلم التقليدية الجليلة في المعلم غالب راضي - طيب الله ثراه – الطربوش الأحمر ، طقم ذو صدرية ، ساعة جيب لها «سنسلة» فضية ، وهو قبل ذلك وبعده راوية حقيقي يعادل في نظرنا – شهرزاد – ويتفوق عليها بالإضافة إلى العزف على العود . تمر أمامي صور تلاميذ صفي بل تلاميذ المدرسة ، أتذكر الصفات الجسدية والنفسية لكل واحد منهم ، أتذكر المعلم هاشم خانكان معلم الزراعة الذي قال لنا : كل واحد منكم له شجرة في حديقة المدرسة لأنه قادنا بكل حب إلى الغراس ، وغرس كل واحد منا غرسة رافعين الشعار العظيم : ازرع ولاتقطع .
وقد امتد هذا الشعار معي إلى بستان دارنا فكنت أمتح الماء من بئر الدار بالدلو – أو القادوس – أسقي أحواض الورد التي كانت أمي بيديها الحانيتين تداعب وردة – فم السمكة – بألوانها الخمسة ، والوردة الجورية بألوانها الزاهية ، وكانت تلامس الفل والقرنفل برقة . وكم سمعتها تناجي هذه الورود وتبث في مسامعها أجمل عبارات الثناء والمدح .
أجلس على الكرسي الصغير في بستان الدار وأنا اقرأ كتاب التاريخ ، يسألني أبي : ماذا تقرأ ؟ أجيبه بصوت عال وكان الاعتزاز قد تسرب إلى حبالي الصوتية . أقرأ درس – معركة ميسلون – وبطلها يوسف العظمة وهاهي صورته ، يقترب مني ويقول لي : كان عمري أربع سنوات يوم جرت هذه المعركة ، الملحمة البطولية ، وكان جدك يحدثني عن البطل – يوسف العظمة كثيراً ، وعندما كبرت سمعت أن شعراء كثيرين أنشدوا متغنين بيوسف العظمة مشيدين بشجاعته وتضحيته اللتين اكرهتا – الجنرال غورو – على أداء التحية العسكرية لجسده الطاهر المسجى في ميسلون ومما سمعته أن الشاعر المهجري – إيليا أبو ماضي – قد أنشد قصيدة جميلة عندما زار دمشق أواخر الخمسينيات ويشيد بالبطل يوسف العظمة ، فهلا عثرت على هذه القصيدة ؟!
وبدأت رحلة البحث وأنا في الصف الخامس ، وكانت في مبنى البلدية مكتبة تزودها – وزارة الثقافة والإرشاد القومي – بالكتب ، وهذه الكتب تنقلها سيارة تابعة للوزارة تأتي كل شهر تأخذ كتباً وتحضر أخرى ،وعثرت على ثلاثة دواوين لإيليا أبي ماضي – تبدو تراب ، الجداول ، الخمائل وكم كانت فرحتي عظيمة عندما قرأت على مسامع أبي أبيات الشاعر في دمشق ويوسف العظمة !!
حي الشآم مهنداً وكتابا والغوطة الخضراء والمحرابا
واهبط على بردى يصفق ضاحكاً يستعطف التلعات والأعشابا
ماكان يوسف واحداً بل موكباً للنور غلغل في الشموس فغابا
ياالله ما أوسع مساحة الذاكرة ! كل هذا ولم أتذكر إلا أياماً في المرحلة الابتدائية ، فعلاً إنه طموح أن يختزن الكمبيوتر – الحاسوب – ماتختزنه الذاكرة البشرية .

د. غسان لافي طعمة