تحية الصباح .. من الذّاكرة 14

لعلّ مَن يتساءل، حين تكون المادّة متعلّقة بالأزمنة الفائتة:» ماالغاية من الرّجوع إلى ذلك الزمن، ونحن في زمن آخر»؟!! وفي الإجابة أقول إنّ الماضي لايُعرف من أجل مافيه فقط، بل هو يشكّل حافزا للتجاوز لدى مَن ينتمون إلى التقدّم، وإلى الخروج من الأفكار العاتمة.
في أربعينات القرن الماضي، وفي تلك القرية، التي هي نموذج للقرى الأخرى، لم يكن الصابون متوفّراً، بل كان يستعمل النّاس ( الشّنان) لتنظيف الملابس وللاستحمام، وهو نبات موجود في مناطق البادية السوريّة، ويُباع على شكل حبيبات أكبر من حبّة السكّر بقليل، وهو مادة قلويّة منظِّفة، وكان يُحمَل على ظهور الجمال، ويُباع، والبيع في ذلك الوقت مُقايضة، مقدار من الشّنان مقابل مقدار متّفق عليه من القمح، أو الشعير، أو الذّرة البيضاء،والمشكلة تبدأ حين تبدأ الأمّ بدعك جسم الطفل بهذه الحبيبات، فكأنّك تدعكه بحًبيبات الرّمل، وتخليص شعر الرأس من آثاره ليس أقلّ صعوبة.
في ذلك الزمن أخوتي وأبنائي القرّاء كان وجود القمل في الرأس أو في الثياب شيئا غير مُستغرّب، بل هو مألوف، وما يكاد يخلو منه جسد، وغالبا ماكان يكافح وجود القمل في شعر الرأس بغسيله بزيت الكاز، فيمرّ أحدهم بك فتظنّ أنّك في كازيّة من كازيات هذا العصر، وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فسأمرّ على مايُروى عن البعض في تلك الأزمنة، فقد التقى شخص بصديق له، وجلسا يتحادثان، فسأله الأوّل:» كم مرةّ غسلت جسدك بالماء على مدى عمرك، فأجابه:» مرّة كنت في البريّة، ووجدتُ صخرة في أعلاها حُفرة وقد تجمّع الماء فيها، فخلعتُ ثوبي ورشقْتُ الماء المتجمّع عليه، ونوْبة ثانية جئتُ إلى البيت فوجدت إناء الشنينة وفي أعلاه مَصْلُها، فخلعت ثوبي ورشقْت المصل على جسدي»، فأجابه الآخر متعجّبا: «ملعون الوالدين صاير بطّ»!!
هذا ماكنّا في بعضه في تلك الأزمنة، ولقد تطوّرت سوريّة فيما بعد، بحيث أنّها، قبل إشعال حريق الخراب العربي، كانت دولة بلا مديونيّة، وهذا غير موجود في بلدان العالم الثالث، وها نحن علينا الآن أن ننهض من بين الخراب، ونُعيد بناء هذا البلد، ولا يُستعاد بناؤه إلاّ بالأكفاء من أبنائه، المخلصين، وما أكثرهم.
إنّ مهمّة الأجيال المعاصرة، والقادمة ليست سهلة ولكنّها ليست مستحيلة، إذا أحسنّا طُرُق الاختيار....

عبد الكريم النّاعم