تحية الصباح .. الانتحار مالاً

نعم لقد وضع الطبيب إصبعه على الجرح , وكان نطاسياً ماهراً عندما قال لك : يجب أن تغير طريقتك في الحياة , أن تحدث تحولات جوهرية في برنامجك اليومي وسلوكك الذي تحجر في محطات ثابتة على مدى أربعين عاماً .
قال لك : هذا هو علاجك الحقيقي من كل ما حل بك من ارتفاع الضغط الشرياني الى ارتفاع السكر في الدم وما لف حول الارتفاعين من تداعيات ونتائج .
أنا واثق أن هذا الطبيب النطاسي لا يعرف أنك – ومنذ أربعين عاماً – لا تعرف يوم عطلة أسبوعية واستراحتك لا تتجاوز الساعتين عند ظهيرة يوم الجمعة . والأيام كلها لهاث وراء المال وتكديس له ومشاريع هنا ومشاريع هناك , وجميعها ليست للاستمتاع بالأيام وإنما لتكديس المال فلم تلامس رمال البحر ولم تصافح منتجعاته يوماً بعد امتلاكك منتجعاً بحرياً ولم تمتع نظرك بالجبال الخضراء بعد امتلاكك بيتاً جبلياً وإنما كله من أجل التأجير والاستثمار وزيادة أرقام الحسابات في المصارف ولكن ألم تسأل نفسك يوماً : وماذا بعد ؟ ألم يخطر ببالك أن تجري عملية حسابية بسيطة ؟ افترض بقي لك في هذه الدنيا ربع قرن – والأعمار بيد الله – ولكن المئة عام حد أعظمي للأعمار في بلادنا , فهل هذه المدة الباقية كافية لإنفاق جزء يسير مما جمعت وكدست؟ واليوم وقعت الفأس على الرأس , وربما تذكرت تلك المقولة الرائعة : -ماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه , ولكن يبدو وأن هذه المقولة ليست ضمن أدبياتك الحياتية ولذلك سأحدثك عن – ميداس – اليوناني الذي تمنى أن يتحول كل ما يلمسه الى ذهب وأتيح له أن يطلب ذلك من الإله فحقق طلبه , لمس الوردة فأصبحت ذهباً , لمس الشجرة فأصبحت ذهباً , ففرح كثيراً ولكن الماء أصبح ذهباً في حلقه والطعام أصبح ذهباً على شفتيه , وكانت لديه فرصة ليعود عن غيه وضلاله .
وسأحدثك عن رؤيا – كسندرا – بنت – بريام – ملك – طروادة – التي قالت لأبيها الذي أرسل ابنه مع المال المستولى عليه : إنك ترسل قاتله معه . وهذا ما كان وتحققت الرؤيا !
ولست وحدك من يحتاج هذه الأدبيات , وإنما العالم كله يحتاجها , يحتاجها من يكفرون ويخطفون ويقتلون من أجل المال يحتاجها أمراء وأصحاب سعادات وجلالات يرتكبون الموبقات من أجل المال , يحتاجها الرئيس الأمريكي – دونالد ترامب – الذي يتطلع الى استعباد البشرية من أجل الذهب , ولا يعرف من الأفعال إلا – ادفع : ولكني أعتقد أنه لن يمر وقت طويل حتى يتحول الماء في حلقه ذهباً والطعام على شفتيه ذهباً , وعندها سيقال : انتحر من أجل المال !!

د. غسان لافي طعمة