تحية الصباح .. تذكّر

شيء ما في الأعماق أعادني أكثر من مرة إلى حكاية الصانع الإغريقي الماهر –ديدالوس-الذي كان في جزيرة-كريت-وأراد مغادرتها مع ابنه –ايكاروس-فوجه فكره إلى فنون مجهولة فقام بصنع أجنحة من الشمع له ولابنه-ايكاروس-وقبل الطيران حذر ابنه قائلاَ :
-عليك أن تسلك الطريق الوسطى
فإذا تدنيت أكثر مما ينبغي
أثقلت المياه المالحة من أثر الأمواج على جناحيك
وإذا ماطرت عالياً نحو لهيب السماء
احترق جناحاك من الجانبين
وعليك أن تأخذ طيرانك بين الاثنين-
غير أن –إيكاروس- شق عصا الطاعة لأبيه وطار عالياً فذاب جناحاه وسقط في البحر، وحتى اليوم اسمه بحر ايكاروس، في حين وصل الأب –ديدالوس-إلى البر.
واليوم أتذكر آباء كثيرين وأبناء كثيرين من أبناء وطني الذين لم يقرؤوا هذه الحكاية الإغريقية ولعلهم لو قرؤوها لأنقذوا أنفسهم وأبناءهم من الاحتراق بعد ذوبان الأجنحة .
فصديق قديم صنع لنفسه أجنحة من شمع كما صنع لأولاده وحلقوا عالياً عالياً ، وهو لايملك من المقومات ماتجعله مختاراً على قرية صغيرة نائية وحلق معه أبناؤه فذاب شمع أجنحتهم وسقطوا وسقط أبوهم الذي انتهى في مصح للأمراض العقلية .
ومواطن آخر صنع له ولابنه أجنحة وحلقا عالياً بعد أن كانا مسكونين بوهم الأهمية الشخصية والسياسية ، فهما مراقبان دائماً حيثما وقفا وأينما سارا ، فانتقلا من التعليم إلى النشاط الحقوقي ، إلى النفاق السياسي والإعلامي واقتربا من الشمس بأجنحتهم الشمعية ، فسقطا على أرصفة الضياع في عواصم تناصب وطنهما العداء ، وطواهما النسيان ولم يدرك ذاك الأب المتفلسف أن كل إنسان مهم في ميدان عمله ، المعلم مهم في صفه ، والعامل في معمله والفلاح في حقله وليست الأهمية في التحليق عالياً بأجنحة من شمع لأنها ستذوب وسيكون السقوط مدوياً يصم الآذان ومايلبث أن يتلاشى في مجاهل النسيان.

د. غسان لافي طعمة