تحية الصباح .. سلالِم للهبوط فقط!!

أعرفُ كما يعرف آخَرون، أنّ السّلالم الخشبيّة أو الحديديّة، التي يستخدمها الناس، تصلح للصّعود، بقدر ما تصلح للهبوط أيضاً، والسّلالم بالوقت عينه، تصبح في أيامنا –بحالات إسعافية سريعة- نقّالات للجرْحى، أو لِحمْل أجساد الرّاحلين، بِغياب سيارة الإسعاف، أو التأخّر بالوصول! ففي أحد الرّسوم الكاريكاتيريّة: (يتقاسم شرطي وعابرُ سبيل سلّماً خشبيّاً، يحملانِه معاً على الأكتاف، يقفان متعاكِسَين، تماماً مثلما عَرَبة حُوذِيّ، يتقاسمها جوادانِ جَمُوحان، باتجاهين متعاكسَين، فلا العَرَبة تتحرّك، ولا السلّم الخشبي ينتصب على قائمتيه، بغية الوصول للأعالي)!! السؤال: أليس «فنّ الكاريكاتير»، بأهمّ مراميه، هو فنّ المبالغة، لإبراز الفكرة -أيّة فكرة – وتجسيدها أو تجسيمها، التي يُعبَّر عنها، خصوصاً حين تكون منْ دائرة المَسْكُوت عنه، أو من أحد « الممنوعات» المعروفة.
أزْعمُ كما يزْعمُ آخرون، أنّ الرّسم «الكاريكاتيري»، والهَزْل، وفنّ الدّعابة، وموسيقا الإضحاك، هي بالحقيقة ذروة الجديّة، منتهى المواقف الصّارمة، بل هي بالبدء والمنتهى، سُلّم المأساة، خلاصة الوجع الوَبِيل، والبُسطاء وحدهم، هم الذين ينظرون إلى «الدّعابة»، بِمعزَلٍ عن «المأساة»! فالضّحك له رذاذٌ مُرٌّ، لهذا بأحايين كثيرة أو قليلة، تتدخّل العينان فتدمعان، لتذكير البشر، بأرجاء المعمورة، أنّ هذه الحياة - بأفراحِها وأتْراحِها - لا تعرفُ «الضّحك الصّافي»، أو «الحُزْن المتكامل»! إنّ الدّور الذي لعبه كثيرون منْ أرْباب هذا الفنّ الصّعب، «فنّ الكاريكاتير»، بدءاً من روّاده الكبار، مروراً بسلّم الأجيال اللاحقة، كان دَوْراً تنويريّاً، بقدر ما كان فنّاً نقديّاً، يلامسُ المَسْكوت عنه، وأحياناً يُوغِل في العُمق، ينكأ الوجعَ الحقيقيّ! الكلام مُفادُه: ما أشقّ وأصعب، أنْ نرى الأشدّ صَحواً، والأكثر تنويراً، والأنضج وعياً، بمجتمعاتنا العربية، هو الأكثر استبْعاداً وإهْمالاً وتفكّهاً عليه، والأكثر تغييباً بين ناسِهِ وفي مجتمعه، مكانُه رفوفُ النّسيان، منزلتُه– لِسَخافتِهم وجهلِهم وبذاءة عقولهم وتحليلاتهم - الدّرْكُ الأسفل منْ سُلّم الحياة.. عَودٌ على بدء؛ فإنّ السّلالم بمجتمعنا كثيرة ومُتشعّبة، هناك «السلّم الوظيفي»، وهو تدرّج الموظف بالترقّي درجة كلّ سنة أو سنتين أو ثلاث، حسب تعليمات «قانون العاملين بالدولة»، بموجب برنامج الترقّي، الذي يُطبّق، بهذه المؤسّسة أو تلك! وهناك «سلّم التّصحيح»، وطلابنا يقدمون الامتحانات، يعقب ذلك قيام جمهرة من الأساتذة، بعمليات تصحيح أوراق الامتحانات، وإبراز النّتائج، من خلال وسائل الإعلام، أو على «الإنترنت»، وسوى ذلك! وثمّة نشرة للأسعار بمثابة سُلّم بدرَجات، أعني أسعار الخضار والفواكه والمواد التموينية، واللباس المدرسي، وثمن ربطة الخبز، وكيلو اللحم، والفرّوج، وثمن أسطوانة الغاز، وليتر البنزين أو المازوت وهلمّ جرّاً وسَحْباً، كلّ هذه الأسعار وسلالِمُها ببلدنا– ولله الحمْد والمِنّة- آخذةٌ بالانخفاض والهبوط والاستقرار، ليعيش المواطن العادي في سلّم البحبوحة، وباحة «الفَرْفَشة»، والسّرور الدائم، فينام كلّ ليلة، هانىء البال، قرير العين! للإنصاف، ولوضع الأمور بأنْصِبَتِها، فإنّ الدولة تعمل ما وسعها الجهد، لضبط سلالم الأسعار ونشراتِها، لكنّ قلة أو كثرة، من التجّار والطمّاعين والباعة والسّماسِرة والمُتلاعِبين والمتواطئين، ممّنْ باعُوا ضمائرَهم لِغُولِ الفساد، وجنون الأرْباح، وسوء النيّات، قد وضعوا بسلّم أولويّاتهم كيفية جمع المال واكتنازه، بأيّة طريقة، «بالحرام بالحلال، بالصحّ بالخطأ، لا فرق»، ضاربين سلالم القِيم والقوانين والأخلاق وأصول التربية وعلم النّفس، بعرض الحائط، قائلين بِالسِرِ والعَلن:»اللهمّ أسألكَ نفسي»، و»يا رُوح ما بَعدِك رُوح»!ومِن أسفٍ، فقد أضحى «الكاريكاتيريون» بأيامنا كثرة كثيرة، بمقدّمتهم: «الفاسِدون السُّوقيّون»، و «المُرْتشون المَرْذُولون»، فهل مَنْ يوقف أمثال هؤلاء المتصحّرين، عند حدودهم؟ هل مَنْ يرْدعُهم؟ أليستْ الجهات المعنيّة منوطاً بها العملُ بأقصى طاقتها ، لوضع حدٍّ للمُتلاعِبين بقُوت الشّعب ومعاملاته، وظروفه الصّعبة؟! أم أنّ لوثة الضمائر، والنّرجسيّة البغيضة، قد جعلتَا بعضنا يزداد تغوُّلاً وسقوطاً وفساداً، بدلاً منْ رصّ القلوب، وتضافر الجهود، وتسيّد تاج التّراحُم بيننا، خاصّة وأنّ (العدوّ والإرهاب)، بوقتٍ معاً، يطلبان رِقابَنا وأنفاسَنا جميعاً، يحاصرانِنا حتّى بلقمة العيش، بأوقاتنا النّازفة وجعاً وقهراً، «لكنّنا دائماً مَحكُومون بالأمل».. هذا هو المبتدأ، وفاكهة الانتظار!!

وجيه حسن