تحية الصباح .. من الذاكرة 27

في ذلك الزّمن المَعنيّ هنا، كان مقرّ فرع اتحاد الكتاب العرب بحمص، مقابل مركز البريد الحالي، وكانت نشاطاته الدوريّة تُقام مساء، فيتوافد جمهور الاتحاد لحضور النشاط، وللاستماع وللمشاركة، وأنتم تعلمون أنّ الذين يشاركون هم إمّا من المثقّفين، او متابعي الثقافة، أو من المختصّين الذين كانوا يغنون تلك الجلسات، وكان موعد النشاط، آنذاك، يوم الأربعاء، وقد فتح تحديد هذا اليوم أبوابا للتعليق، فنحن الحمامصة يُقال أنّ عيدنا هو يوم الأربعاء، ولهذه التسمية أكثر من قصّة يستدلّ بها البعض على غفلة ما، لدى الحمامصة، وقد تجيء تغافلاً، بقصد التخلّص من مأزق ما، وهذا باب من أبواب الذكاء.
في مقطع من ذلك الزمن، علق قلب أحد الشعراء في حمص بسيّدة فاتنة، وقد كتب فيها العديد من القصائد، وحدث أنّه حاول الاتصال بها هاتفيّا، كعادته، أكثر من مرّة فلم تردّ، بل كانت تأتيه أصوات أخرى، وضاق ذرعاً، وكان موعوداً أن تحضر أمسية شعريّة له، على نُدرة ماتجيء، وحين وقف لإلقاء قصائده، وبعد أن امتلأت القاعة بروّادها، فوجيء بسيّدة تجلس في الصفّ الأخير، وتلفّ شملة على وجهها الذي لا يبدو منه إلاّ عيناها، وعرف أنّها هي ، ولكنْ لماذا فعلتْ ذلك؟ وما أن انتهت الأمسية حتى بادرت مسرعة إلى المغادرة، ماالذي تريده هذه الفاتنة؟!!
بعد أكثر من أسبوع فهِمَ أنّها كانت مصابة بشلل في العصب الوجهي، وكانت خائفة منه، ويصعب عليها الكلام، ورغم ذلك فقد حضرت في موعد الأمسية، وتشاء أقدار الزمن المدهشة، الغريبة العجيبة، أنْ يسافر خارج البلاد لتحسين شيء من وضعه المعيشي، وفي تلك العزلة التي عاشها، والغربة التي قاسى منها الأمرّين، مرّت بخاطره تلك الحادثة، فكتب:
ياأربعاء النَّدى والطّيبِ والذِكَرِ
ياحلمَ ليلٍ أتى الدّنيا على سفَرِ
قد كنتَ تأتي فتأتي وهْيَ مُتْرَفَةٌ
فَتُغرقَ الحفل بالنّعمى وبالشّررِ
وتَسْتَفيقُ صبابتي ويؤنِسُني
أنْ بيننا همْسة من ذلك التوّتَر
أغارُ، لوكنتُ أملكُ بعضَ أُمنيةٍ
لَصُنْتُ حُسْنَكِ عن سمعي وعن بصري
ياأربعاء النّدى سلّم على بَلدٍ
عرَفْتُ فيه الهوى في مَيْعَة العُمُرِ
لعلّ المستغرَب في الأمر أنّني سألتُه ذات جلسة، :» ماالذي بقي من ذلك الزمن الذي مضى عليه أكثر من أربعين عاماً»؟ فقال: لقد غابت اللهفة، وبقيت أشياء في الذاكرة، حين أراجعها أتعرّف عليها حتى كأنّها لم تكن لي، نحن ياصاحبي أبناء أحوال تتراكم، وتتفاوت، وما من شيء يبقى على حاله، لأكون صادقا معك، لم يبق من ذلك الزمن إلاّ هذه الأبيات التي غفلتُ عن أن أضعها في أيّ من مجموعاتي الشعريّة، وها أنت بسؤالك هذا تعيدها إلى شيء من نبض الحياة، تراكمُ الأحداث قد يخفّف من لواعج الاشتياق الكثير الكثير، ولكنّه لايمسح بعض الحنين، فنحن أبناء كلّ مامرّ بنا، وعايشناه...

عبد الكريم النّاعم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.