تحية الصباح.... من يذكر تلك الأيام ؟!

ستة وأربعون عاماً مرت على ، حرب تشرين التحريرية، وما زالت حكاياتها بل ملاحمها ساكنة في البال كما يسكن اللون في العلم والعطر في الياسمين واليخضور في الأشجار دائمة الخضرة ، وإذا كانت هذه الحكايات الملحمية كثيرة ، جد كثيرة ، فإنني سأستحضر منها أكثرها إشراقاً وطنياً وتألقاً ملحمياً ومنها حكاية العقيد السوري الطيار عدنان الحاج خضر الذي نقلت وكالات الأنباء وعلى رأسها وكالة – رويتر – تصريحه لممثل من لجنة العفو الدولية زاره في إحدى المستشفيات في فلسطين المحتلة بعد أن أسقطت طائرته في حرب تشرين وهو عائد من مهمة إنزال كتيبة من رجال المغاوير السوريين خلف خطوط العدو .. قال في تصريحه :
« لقد ذهبنا إلى الحرب ونحن مستعدون للموت ، ولا يهمني إذا بقيت هنا مئة سنة . ولا يهمني في كثير أو قليل أن أعود إلى بلادي ، إذا كان في ذلك خدمة للقضية العربية « .
وبعد أسر دام أكثر من سنة ونصف انفتح باب طائرة الصليب الأحمر التي حملت الأسرى السوريين العائدين إلى دمشق ، وكنت في مطار دمشق الدولي ... نزل العقيد عدنان الحاج خضر محمولاً على نقالة يرفعها أربعة ضباط من زملائه ، وكان بلا ساقين ، وعندما وضعوا الحمالة على أرض المطار بناء على طلبه قبل الأرض قبلة طويلة طويلة بعد أن صرخ من أعلى سلم الطائرة وهو مستلقٍ على الحمالة :
« الأرجل هي لا شيء ... نحن مستعدون أن نخسر ارجلنا حتى يمشي الوطن .. ونفقد أعيننا حتى يرى ... وننزف حتى تمتلئ بحاره ، وتفيض أنهاره ..»
وفي لقاء معه بعد عودته نشر في الأول من حزيران عام أربعة وسبعين في أكثر من صحيفة ومجلة منها مجلة جيش الشعب قال :
« وقطعت ساقي من الركبة ، ورميتها بعيداً ... وقلت : لتنزرعي في تراب الجولان ، ولتبعثي في الأرض المحتلة ...
لقد خافوا أن أعود إليهم ... فقطعوا رجلي الأولى ... ثم رجلي الثانية ... ولكنني سأعود لأقاتلهم على عكازتين فلينتظروني ...
أيها الإسرائيليون : بيننا وبينكم مئتا حرب قادمة .. والقصة معكم طويلة طويلة ... بل هي أطول من عمركم ...
أنا بقية مقاتل لم يبق منه سوى كتلة من مئة وعشرين سنتيمتراً من اللحم والدم ... أما روحي ، أما إيماني ، أما كرامتي فقد كانت تنفجر في وجوههم كالصاعقة ..»ولم يكن عدنان الحاج خضر واحداً بل كان موكباً للنور والمقاومة ومن لا يذكر في هذا الموكب الشهيد الطيار حسن الكردي شهيد الهجوم على مصفاة حيفا ، والشهيد الطيار كمال نصر الذي انقض بطائرته وجسده على موقع صهيوني حصين ... أليس هؤلاء الموغولون في الشموس وغيرهم كثيرون جديرين بأن يكونوا في كتبنا المدرسية .

د. غسان لافي طعمة