تحية الصباح...واحدة من الدّعْسَات النّاقصة!

سؤالان عريضان: ما مناسبة هذا العنوان؟ ألم تجد في جُعبتِك، وفي رصيد لغتِك، أفضل منه عنواناً «لتحيّة صباحيّة»، أو «لزاوية» في جريدة معيّنة، ونحن بخضمّ فصلٍ خريفيّ مطير؟! ما دعاني لوضع هذا العنوان الملوّن، هو ما شعرتُ به من استغرابٍ واستهجان، وما رأيته - كغيري من بني آدم، وبنات حواء - من انتشار ثلّةٍ من الكلاب الشّاردة، تتجوّل على راحتِها وعلى مهلها، بِحَرَم الجامعة! السؤال: كيف يشعر الطالب الجامعيّ بشيءٍ من الطمأنينة والأمان، وهو يسير بأحد ممرّات هذا الحَرَم، أو.. أو.. وهو جالس على مقعد بإحدى الحدائق، أو «الكافتريات»، وبين يديه كتاب أو نوتة أو بحث؟ أم أنّ مثل هذه الحيوانات السّائبة الشّاردة، لا تسبّب بالعادة أيّ أذىً لأيّ من البشر،و تخمّن بِحَدْسِهاأنّه من المعيب، أو من الممنوع عليها خُلقاً، الاعتداء على أيٍّ من الطلبة أو الموظفين أو الزّوار أو العمّال المياوِمين، لأنّها تعلم سلفاً، وبحدْسها الخاص، أنّ «داء الكَلَب»، سيسبّب لأحدهم «لإحداهنّ»، بكلّ تأكيد أذًى عالياً! يحضرني بهذا السّياق ذكرى - عندما كنّا ببداية المرحلة الإعدادية - هيئة رجلٍ منْ موظفي البلدية، - كان هذا بستينيّات القرن الماضي - مهمّته الوظيفية، «ومهمّة أمثاله»: التجوّل بالشوارع، متنكّباً بندقيّة بفوّهتين، أو ما يُطلق عليه باللهجة الدّارجة: «الجِفْت»، فكنّا نسمع بين الفينة والأخرى، إطلاق عِيار ناريّ، فنعرف منَ الأهلِين - بعد أنْ يكون الخوف قد بلغ منّا مَبْلغَه، ووصل إلى الحلوق - أنّ أحد الكلاب، قد أُرْدِيَ مُضَرّجاً بدمه، بطلقات الموظف المختصّ؛ بذا كانت أعدادُها تتناقصُ يوماً إثر يوم، إذْ لن يجرؤ غيرها بعدئذٍ الدخول إلى الشوارع، لأنّ «المَسْج النّاري المدوّي» يكون قد وصلها للتوّ!! بعدها، وبفترة ليست بعيدة، لم نعد نشاهد هذا الموظف البلدي، ببزّته الحكوميّة الزّرْقاء، ولم نعد نسمع أيّ أزيزٍ لرصاصات «الجِفْت»، وبات الناس يتحرّكون بهذا الشارع أو ذاك، بهذا الحيّ أو سواه، بلا أيّ خوفٍ أو حَذَر! السؤال: «أليس الأجدى القيام بسدّ الثغرات والفجوات، التي تتسلّل منها هذه الحيوانات الشّاردة، لتجنّب أخطارها، داخل حَرَم الجامعة، أثناء الدوام وخارجه، وكذا ببعض شوارع المدينة، خاصّة أوقات الليل»؟!
* * *
على مقلبٍ آخَر، فقد كان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد سمح في سنةٍ ما، لعددٍ من كلابه، ذات الأنياب الفولاذيّة المَشْحُوذة، القيام بعملية تسلّل في ليلة حالكة السّواد، فتكَتْ خلالها أربعةُ كلابٍ مُدرَّبة، ومُدْرَجَة بِعِداد «حرس الحدود»، بأكثرَ من ستّين عَنزة وحَمَلاً وخَرُوفاً، داخل الحدود اللبنانية، جنوباً! لكأنّ هذا الجيش المُدجّج، الذي جرّ وراءه بالعام 2000 ذيول الخيبة والمَهانة، من تلك الخاصرة العربية الباسِلة، قد أوْكَلَ المهمّة لكلابه، التي تفوقه شجاعة وبَأسَاً، لِتُجْهِز هذه المرّة على الخِرَاف والماعِز والحُمْلان! لأنّها لم تَعُدْ قادرة على فِعل ما فعلته بالنسبة إلى أهل الجنوب الصّامدين! لقد سعى قادتهم المَوْتُورُون، على مدى سنوات الصّراع التاريخي مع العرب، لتحويل عدد كبير منهم إلى «ماعِز»، بالوقت الذي تحوّلتْ فيه قطعان المُستوطنين إلى «كلابٍ» ضارِية مَسْعُورَة! كذلك حدث قبل أعوام، أنْ هاجمتْ خنازير بريّة، قادمة من فلسطين المحتلّة «أغوارَ الأردنّ»، وألحقتْ ضرَراً كبيراً بالمزْروعات، ولم يبقَ أمام الكيان الإسرائيلي ، إلّا أنْ يطلق أسْرابَ الجَرَاد إلى حقول العرب، فتقضي على أشجار التفاح والحمضيات والنّخيل، وعلى القطن والأرزّ والقمح! «والصهاينة الذين لم يكونوا ذات يوم مُزارِعين، قد عذّبوا أغصانَ الزّيتون بفلسطين، كيلا تفرِزَ مع الزّيت دماءَ زارِعِيْها»!! أحدُ المَلدُوغِين بشهوة الإبادة، من الصّهاينة شُذّاذ الآفاق، قال يوماً بلغة عنصريّة شوفينية مَسْمُومة: «إنّني أكرهُ العِبْريّة، لأنها تُكتَب من اليمين لِليسَار، شأن اللغة العربية»!!
* * *
هل اقتنعَ الأوْغاد؛ «أفاعِي الكون وثعابينه»، ومصّاصي دماء العرب، أخيراً، أنّ دباباتهم وطائراتهم وقطعان جنودهم لا تكفي.. لهذا أرسلوا كلابَهم وخنازيرَهم البريّة إلى حقولنا، لتعيثَ فيها فساداً وتخريباً وقضْمَاً، فهم لم يثبّتوا بِعقلهم الجنائي الإجرامي المُؤبلَس، «أنّ صاحب الحقّ والأرض والتاريخ واللغة والصمود لا يموت»، مهما كانت قوّة كلابهم، وشراسة قطعانهم والخنازير! نعم، انسحبُوا من الجنوب اللبناني مُرْغَمِين مدْحُورِين، على يد المقاومة البطلة، وعادُوا على هيئة «كلابٍ مَكلُوبةٍ»، عبر حدودٍ لم يخطر على بال حُرّاسِها، أنّ العدوان قد يفيضُ منسوبُه لدى الملدوغ به، ويتحوّل إلى سُعَارٍ، يحقن به كلابَه، لتنوبَ عنه!! ولعلّه أمرٌ يتجاوز حدّ المصادفة، «أنْ يكون عددُ الكلاب التي هاجمت قطيع الماعِز والحُمْلان والغَنَم أربعة، لأنَّ خامسها – بكلّ تأكيد - هو الحاخام الذي أرْسَلَها»!!

وجيه حسن