تحية الصباح...سخيفة

كلما تقدمت في العمر ستجد نفسك تكتشف أشياء كثيرة في الحياة هي من السخافة بمكان بحيث تخجل من ذكرها ...وكلما كنت أكثر حكمة سوف يمتلئ قاموسك بهذه المفردات التافهة.. كلما سمعتها..مع أنك كنت تسمعها وتتعامل معها طوال حياتك،ولكنها لم تكن تسبب لك أي خدش ..فما الذي حصل لتكوينك النفسي حتى صرت تشمئز من كل كلمة وكل تصرف ؟! .. فعلى سبيل المثال قد يقول لك صديق العبارة التالية : (هل تعلم أنني لم أذق الطعام منذ الصباح )!! أو يقول لك (منذ البارحة مساء لم أتناول الطعام !!)وكنت بدورك تتفاعل معه بكل جوارحك (منذ البارحة لم تأكل ؟!منذ الصباح لم تتناول الطعام ؟!!)وبكل غباء تشعر بالتعاطف معه ..وينتابك إحساس بالشفقة دون أن تتوقف للحظة واحدة أو ثانية ..وتفكر في عبارته تلك (لم أضع في فمي لقمة واحدة منذ البارحة !! وحتى أريحك من زخم الأفكار في رأسك ..دعني أنا أجادله إذ يبدو عليك التعب أنت الآخر ..ويبدو أنك لم تأكل شيئاً ..منذ البارحة
حبيب قلبي ..وماذا يعني أنك لم تأكل شيئاً منذ الصباح ؟! بل ماذا حدت لك إذا لم تتناول طعاماً منذ البارحة ؟! ما هو الأمر الجلل الذي ضرب الكرة الأرضية إذا كنت حضرتك لم تأكل منذ الصباح ؟! هل فكرت لثانية بأناس لم يأكلوا منذ أسابيع .. ؟! هل تذكرت أطفال المجاعات الذين يموتون بالآلاف يومياً من مرض السغل ..أي سوء التغذية ؟وماذا لو مر عليك يوم لم تأكل فيه ؟! أو مرَّ عليك يومان لم تستطع أن تتذوق الطعام ..بسبب ظرف نفسي تمربه ؟! أساساً الصوم الطويل هو أفضل وأقصر طريق للصحة والعافية ..ربما أنت الآن مندهش لكلامي ..ومستغرب وتتساءل :»يارجل ماذا قلنا حتى أمطرتني بهذه المحاضرة الطويلة ؟!
كل القصة وما فيها ..أنني أعبر لك عن مأساتي ..التي جعلتني لا أتناول الطعام منذ البارحة !!فهل سقط برج إيفل ؟! أو ذاب سور الصين العظيم ؟ّ!
أو احترقت حدائق بابل المعلقة ؟! لماذا (انبحتّ! عليَّ هكذا ؟!)
حسناً ..لأنني أمتعض من كل إنسان يردد هذه العبارة ..وأرجوك لا تذكر برج إيفل ..ليتك كنت مسماراً في برج إيفل حتى تبقى طول الزمن لا تأكل طعاماً وليتك كنت أحد العمال الذين بنوا سور الصين العظيم ..أولئك الرجال الأبطال الذين كانوا يعملون ليلاً نهاراً ..ولا يتناولون إلا وجبة واحدة كل يومين ..ولم يتذمر أحدهم من الجوع ..لأنهم كانوا يقتاتون على حب وطنهم ويشربون ماء انتمائهم للصين ..ولهذا فقد أفنوا أنفسهم في سبيل حماية بلادهم ..والآن ..الآن ..في هذه اللحظات هناك أخوة لنا على الثغور يحاربون في الليل والنهار ..والبرد والحر ..والشتاء والصيف ..ولا يتذمرون حين يتأخر وصول الطعام إليهم ولو لأيام !!
وأنت مضى عليك خمس ساعات على تناولك لآخر وجبة فطور ..وصرعت العالم أنك لم تأكل منذ الصباح هل تعلم كم الساعة الآن ؟! إنها الرابعة بعد الظهر ..وأنت تقول لي :منذ الصباح لم تأكل ...يا رجل ألا تخجل من نفسك وعلى نفسك ؟! لم يمضِ أكثر من سبع ساعات على وجبة طعامك الصباحية ..ومع هذا صرعت العالم بجوعك ..يخرب بيتك ..ماذا أفعل بك وبأمثالك ؟!
تظن نفسك خوفو أو خفرع أو منقرع !!وأنت مجرد إنسان سطحي لا تعمل شيئاً ولم تقدم شيئاً للحياة ..وترى في نفسك عبقري زمانك وأنت لاشيء ..حقيقة أنت لا شيء ..كل ما تفكر فيه أن تملأ معدتك ..هل تعلم ..لقد رفعت لي توتري الشرياني ..
أرجوك أغرب عن وجهي .. وكل ما أرجوه أن تموت جوعاً ..لتشعر بجوع ملايين الناس على الأرض .

د. نصر مشعل