تحية الصباح...من الذّاكرة 46

عام 2005 تلقّيتُ دعوة لحضور مؤتمر أدباء اليمن، وكنتُ قد تمنّيت لو تتاح لي زيارة هذا البلد العربي المغلّف، قديما وحديثا، بالكثير من عالم الأسطورة، أقول «الأسطورة»، ولا أقول «الخرافة»، كانت الرحلة طويلة بالنسبة لواحد في مثل عمري، وزاد شيئا من تعبها أنّ الطائرة حطّت في مطار «عدن» أوّلا، وانتظرنا ساعة داخلها لتُقلع ثانية إلى العاصمة صنعاء، وسآخذ مفردات من تلك الزيارة، تُلقي بعض الضوء.
-صنعاء صنعاءان، القديمة والحديثة، الحديثة ذات شوارع واسعة، وازدحام كبير، وضجيج لا ينقطع، وما أدري أهو عصيّ على مدن الشرق أن تكون أكثر ترتيبا، وأقلّ ضغطاً؟!! اعتقد أنّ العلّة في التطبيق، لا في طبائع البشر، ولم يُخلَق أهل البلدان المتقدّمة منظَّمين هكذا، بل أخذهم إلى ذلك المظهّر الحضاري حُسن تطبيق القانون، وسيادته على الجميع،
حين دخلتُ صنعاء القديمة، عبر أزقّتها الضيّقة المتعرِّجة، شعرتُ فجأة أنّ الزمن قد عاد بي آلاف السنوات، البناء كلّه من الحجر، مهما تعدّدت طوابقه، والمسافة بين الدرجة والدرجة واسعة، وتحتاج إلى رشاقة أهل اليمن،
لا أدري !! أحسستُ أنّ الهواء هنا يختلف عن الهواء خارج هذه المدينة، لها هواؤها الخاص، ورائحتها الخاصة المُشبعة بعطور الأعشاب، والتوابل، والقرفة، والزنجبيل، وما لا ندري عنه شيئا، ولكنّه بهيج، ويرشح من عوالم هي سريّة، مع ظهور ما يُفصح عنها،
في ساحة مرصوفة بحجر أسود، على غرار ماكانت عليه مدننا من قبل، جلسنا، وقُدّم لنا الخبز، أيّ خبز هذا؟!!، تختلط فيه أنواع من الحبوب، ومعجون بما ينكّهه، تتذوّقه فتشعر أنّك لم تعرف الخبز من قبل، وبجانبه كأس الشاي اليمني الذي يضيفون إليه موادّ تجعل الشاي غير الشاي الذي نعرف، ويقول خبراء التّغذية إنّ هذا الخبز من أرقى أنواع الخبز فائدة في العالم،
-الأسواق في صنعاء القديمة مقسّمة بحسب المواد والحاجات التي تبيعها، فهذا سوق للجنْبيّات- الخناجر اليمنيّة- وذلك سوق للحبوب، وثالث للعطّارين، وللعطور في اليمن حكاية خاصّة، وهذا يدلّ على سويّة الحياة التي ارتقت في هذه المدينة، فأنت بمجرّد دخولك تلك الأسواق تعبق في رئتيك الروائح العطرة، وتلك علامة نفسيّة تحتاج إلى توقّف، وتأمّل وتساؤل، وفي هذا السوق دكاكين لبيع الخواتم، والفضيات، وما نسمّيه (أنتيكا)، وهم خبراء بارعون في ذلك، وصُنّاع مَهَرة، وأنا أعتقد أنّ « صنعاء» سُمّيت بذلك الاسم للتعبير عن هويّتها الفنيّة والحضاريّة،
-في تلك الأسواق يوجد « القُلّيس»، وهو بناء دائريّ، حجارته من البازلت المصقول، ويرتفع بحدود المترين ونصف، كما أخمّن الآن، وقد أحيط بسياج معدنيّ لحمايته، وتنتشر حوله الأوراق التّالفة، وبقايا ما يقذفه النّاس دون مُبالاة.
-لا يفوتني أن أشير أنّني كلّما ضجرت، في تلك الأيام التي قضيتها في صنعاء، كنت أذهب إلى صنعاء القديمة لأتجدّد، ولأشعر بشيء من هدوء النفس، لا أدري من أين يأتي، أمن السحر الذي هو فيها، أم منه ومن عوالم الخيال الجامحة عندي، والتي تستعيد كلّ ما ذكرتْه، أو قرأتْه عن هذا المكان،
-لا يفوتني أن أشير إلى أن بعض السيّاح الأجانب الذين جاؤوا من بلدان أوروبيّة عدّة،..سحرهم المكان، والمكان دون سكّان لا يعني شيئا، فأقاموا فيها ولم يعودوا إلى بلدانهم،
الآن كلّما شاهدتُ عبر التّلفاز ما يجري في اليمن كلّها، ولا سيّما صنعاء، بسلاح أمريكي، وحقد صهيوني أعرابي، تملأ المرارة روحي، لأنّهم يدمّرون معالم حضارة هي من أندر الحضارات، وآنسها، وأكثرها شهودا على رحلتنا في التاريخ، حتى لكأن أحد الأهداف من الحرب تدمير تلك الآثار، لكي لا يكون لنا ما نعتزّ به، فهو تدمير للحجر وللبشر، بعقليّة محض تلموديّة، وبأيد سعوديّة خليجيّة، إنّه حقد الأعراب الأعمى،
أيّها المعتدون القَتَلة، إنّ ما تفعلونه ليس له سابقة إلاّ ما جرى بعضه على أيدي الغزاة المتوحشّين، كهولاكو وأضرابه...

عبد الكريم النّاعم