تحية الصباح الإنسان والتحدي الوجودي

نقرأ في تاريخ الشعوب، فيمر بنا فيض من معارف وخبرات ، تتقارب فيما بينها ، وتتباين في بعض آراء و قناعات ، وخبرات و تجارب لكن كثيراً ما نجد ثمة قواسم مشتركة تترافد فيما بينها ، فيلتقي الإنسان بذاته ، و الإنسان بالإنسان . ومن تلك أن اليابانيين القدامى كانوا يأتون بالمواليد الذين ولدوا للتو ، و يأخذونهم إلى سفوح الجبال ، و يأتون إليهم في اليوم التالي فمن كان على قيد الحياة و أنفاسه تؤكد قدراته على التكييف و مواجهة التحدي فيؤتى به ، لأنه جدير بالحياة . هذه الحياة التي يرى بعض من علماء النفس أن مجرد انفصال الطفل عن رحم أمه عبر حبل المشيمة تراه يواجه مصيره ، إذ عليه توكيد ذاته تدرّجَ سنواتٍ، وتسلسل أعمار ، وقد تشرب السلافة الأولى في مقاربة القلق الوجودي إذ يواجه الصدمة الأولى ليغدو الفاعل والمنفعل في دروبها ، والحياة منظومة خبرات ، ومهارات ، وكم شكا الشعراء والكثيرون ، الفلاسفة والمفكرون ، ويشكون كل بطريقته استكشافاً حدساً ، تأملاتٍ ، إسقاطات . كل ذلك بحثاً عن واحات في مسالك دروبها الوعرة ، غاية هؤلاء عبورها طمأنينة حضور ، وسعادة وجود، وقطاف سلال ورد من مساكب زهرها ، و آمال من وارفات ظلالها ما بين رجاء في وصول ، و غنى في سعادة جني معنوي و مادي . لكن هذه الحياة تصفو مشاربها دعة رخاء ، وتتكدر في مشاق ، ومتاعب ، و حبائل صروف تتالى أنفاس متعبة على جسور من معاناة ، و بالحالين معاً هو الإنسان . هذا الإنسان ، الكائن النوعي معني بمكنوناته قناعات ومتغيرات الحياة ، و بجسده ، و الغذاء المهجن ، و الهواء الملوث ، و الأمراض السارية التي تعاقبت عليه بأسماء كثيراً ما كان لقماً سائغة لأشداقها و مرعى لفتكها به من أمثال الطاعون إلى الأنفلونزا بأنواعها ، إلى ( الكورونا ) بدرجتها تصنيفاً ضمن قائمة (الفيروسات ) .. هذه الفيروسات التي على تناهي صغرها و فظاعة فعلها أضحت التحدي الوجودي لهذا الإنسان النوعي في قريته الكونية صاحب الحضارة و جوهر الحياة الصرف . و هاهي جهود العلماء في مراكز البحوث و الدراسات والمخابر سردية جهود ماضياً و حاضراً وهكذا سيكون مستقبلاً وفي مثل القراءة أيضاً نقرأ أن حبة الدواء نأخذها بثوانٍ و بعد دقائق نعود إلى استقلابنا الصحي فنبرأ من الآلام ، لكن هلا توقفنا عند عبقرية أؤلئك المبدعين الباحثين ، و المخابر و الأموال الطائلة حتى كان ذلك ؟ وهو فعل إنساني. لعل الإجابة ليست في حرب النجوم زمن ( ريغن ) و الأموال الطائلة ، لكن كم هو عظيم لعقلانية العقلاء في منظور الإنسان رسالة ، لو صرفت الأموال لمواجهة الأمراض و تحسين الواقع المعيش للإنسان ، و تأمين سبل السعادة و الرخاء لهذا الإنسان الضيف العابر ، ضمن تكاملية محبة ونباهة قيم ! هي سعادة الإنسان في مكامن الوجود فينطلق إلى طمأنينة ثقة و تجاوز كل اغتراب فتراه في زهو الحياة الفارس المجلي وفق تربية إنسانية راقية , جوهرها الجمال المعرفي والكياسة .رخاء بال و فرح في كل سبق نحو كل إبداع و شهامة كل تميز ، ونراه نفح الطيب في قوة رحم وجودي تتعاضد فيه القيم و تقوى ، من غير أن يدانيه متهول باستقواء أو ناجح في اقتناص فرص في غفلة من قيم سامية رجحت كفتها في ميزان المنطق الأساس على حساب كفة قيم مادية جراء استهلاك مسلع محصن بجشع و اتكاء على جدار مطاطي من فساد . أجل ما أفظع متاهات الضياع في كل اغتراب للقيم و الإنسان على مساحة عنجهية الامبراطوريات الاستعمارية و كيانات إقليمية و أفراد ، هم رهن إشارات مُخطط لها في ظل عدوان وشر و اشتعال حروب و هيمنات و قتل و تدمير هذه الحروب التي تحصد كل بناء و حضارة و بشر .يضاف إليها واقع الإرهاب الاقتصادي عبر حصار تلك الدول الاستعمارية لشعوب تعتدي عليها. ها هي الإنسانية عبر إنسانها ترديها( بقة ) و يطيح بها فيروس لا يرى . كم هو عظيم لو أموالها تسخر لخدمة الإنسان الرسالة.. الإنسان الحياة و الحب و المحبة و الجمال . هذا الإنسان الذي يواجه البراكين التي تثور و يبقى يبني و الزلازل و الفيضانات و الكسوف و الخسوف التي كلها ترينا نجوم الظهر في دلالة التحدي الوجودي دفعة واحدة . هلا قرأ العقل معنى المحبة و الخير و العطاء و سماحة البهاء في نبل كل جمال إنساني رحب ، فالحياة إرادة وجود مهما كبرت التحديات فالإنسان ابن بجدتها ، و مُوقد جذوتها . لكن الإحساس بالواقع معايشة صدق نباهة إدراك في قساوة صروف و لربما في بعض حرج ، و ضيق عتبة , مجازاً أمام الحياة فنقرأ للشاعر محمود درويش : ( كل الذين ماتوا ، نجوا من الحياة بأعجوبة )

نزار بدور