سبحان مغير الأحوال

صوت سهيل الناعم والطفولي جعلني أقف مذهولة أدقق السمع أكثر وتكرار طلبه جعلني أركض إلى النافذة واستقصي جيداً مصدر الصوت للتأكيد ...نعم إنه يطلب من والدته عبوة التعقيم قبل دخوله المنزل, الموضوع ليس غريباً ولكن الغرابة أن سهيل طفل كان يسكن الشارع من الصباح الباكر وحتى الغروب كانت يداه الصغيرتان متسختان دائما ووجهه الأبيض تلطخه بقعاً سوداء في لوحة تتحدث عن شقاوة الأطفال ولصوت والدته عندما يدخل البيت حديث آخر كنت أعرف أنا والكل بأنه دخل المنزل وجلس بثيابه المتسخة على قطع الأثاث ، ولكن ما الذي حصل الآن ، سؤال راودني كثيراً ، حتى صادفت والدته ، وسألتها مازحة : (خير شو صاير)؟ ضحكت ، وقالت : إنها الكورونا، سألتها : وما دخلها، اشتدت ضحكتها أكثر ، وقالت : في موضوع سهيل لا يمكنني إلا أن أقول: (سبحان مغير الأحوال). أكملت مسيري مستغربة ، لتلمحني أم جميل من بعيد ، هي امرأة مسنة ، داهمت السنين معالم وجهها ، تجالس الشمس صباحاً على كرسي حديدي مربع ، بادرتها بالتحية دون مصافحة ، ولكن رفقت يديها تريد احتضاني كالعادة, ضحكتُ وقلت لها ممنوع ، وما إن لفظت هذه الكلمة ، حتى سمعت صوتاً عالياً كله استنكار : حتى أنت ، أعرفك واعية ، وتؤمنين بالله ... ضحكت وقلت : وما دخل إيماني ، إنه وباء يا خالة ، ويجب أن نحتاط جميعاً. تابع صوتها استنكاره وقالت: كنا نفلح الأرض، وعند موعد الطعام ننفض عن أيدينا التراب ونأكل لا نخاف من الكورونا ولا من غيرها ،(عايشين) على طبيعتنا ، وكنا بصحة جيدة أكثر منكم ، خوفكم هذا سيقتلكم ، وتابعت بسخرية :(قال كورونا قال) ، أيامنا غير أيامكم ،ولكن ، سبحان مغير الأحوال . لا أعلم سببا لتكرار هذا التسبيحة في هذا الوقت بالذات الممتلئ حذراً ، فسهيل ، وأم جميل ، يعيشان واقعاً متناقضاً تماماً ، ولكن هذا الفيروس استطاع أن يغير حياة الكثيرات على حسب قول أم إبراهيم عندما قالت : (لا نريد أن نظلم هذا الوباء فو الله له فوائد) نظر الكل إليها مستغرباً، ثم تابعت، كان زوجي وأولادي يخلعون أحذيتهم في منتصف الممر ، ويجلسون بثياب عملهم على الكراسي ،غير مبالين بتعبي طوال اليوم ، يتناولون طعامهم دون غسيل أياديهم ، كنت دائمة التذمر والصراخ ، ولكن لا حياة لمن تنادي ،إلى أن جاء هذا الوباء ، الذي لم يكن على البال ولا على الخاطر، في بادئ الأمر تعذبت قليلاً ، وبعد أسبوعين اختلف الوضع تماما فقد اعتادوا على خلع أحذيتهم خارجاً وأصبحوا يبدلون ثيابهم وفوراً، ويستلمون الطريق إلى الصابون ، خوفاً من الفيروس الكوروني "فسبحان مغير الأحوال" . هل استطاع هذا الدخيل ، إجبار البعض ،على تغير أسلوب نظافتهم الشخصية ، وهل سنشهد ما بعد الكورونا ، أرضية مختلفة ، تماما عن سابقتها ،تكون فيها النظافة العامة عند بعض المستهترين عنوانهم الأعلى ، وهل سنلاحظ ، بعد الكورونا ، تعاملاً أرقى من قبل البعض ، وهل سترتاح المرأة التي همها نظافة بيتها، وأسرتها ، من اتهامات أقاربها، بأنها "موسوسة" نظافة وإني مصرة أن أضع مفردة موسوسة بين مزدوجتين ، هذا ماستخبرنا به الأيام التي ستأتي بعد انتهاء هذا الفيروس ، الذي أتمنى السلامة للجميع من أذاه وسبحان مغير الأحوال .

مها الشعار