تحية الصباح... لماذا هذه الأمنيات ..؟

في أي بلد متحضر ليس بالضرورة أن يكون الممثلون هم من خريجي المعهد المسرحي أو الجامعة فالمخرج عندما يقرأ النص يقوم بالبحث عن الشخصيات الملائمة لشخوص الفيلم ليس بالضرورة أن يبحث عن الممثلين في الوسط الفني ..بل قد يبحث في النوادي الرياضية أو المقاهي أو شركات العمل ..أو في مناجم الفحم ...أو ضمن مراكب الصيادين أو في ملاعب كرة القدم ..الخ ..حتى يجد الشخصيات الملائمة لعمله فترى معظم الأفلام الأجنبية وقد أخرجت بطريقة مرعبة لدرجة لا تميز بين براعة ممثل وآخر !! ولا تعرف إن كانت هذه الشخصية هي من الوسط الفني أو من الوسط الاجتماعي العادي ..وجميع الممثلين يؤدون أدوارهم بطريقة تسحرك وتجعلك تتساءل هل هؤلاء ممثلون حقيقيون أم كومبارس ؟! حتى الأطفال منهم ..فالتمثيل هو من أسهل الأمور التي يتدرب عليها الإنسان ومعظم الناس ينجحون في أدوارهم وذلك من خلال تدريب بسيط أو معقد لأداء الدور ...

ولكن في مجتمعاتنا يختلف الأمر ..فترى الفنان أو الممثل هو ذاته يمثل جميع الأدوار ..من مولده وحتى مماته ..فيأخذ دور البطل الفارس حامي الحمى حين يكون شاباً ..وهو نفسه العاشق المراهق ..حتى لو بلغ به العمر عتياً !!

وهو ذاته الكوميدي والدرامي والتراجيدي ..ليس هذا فحسب ..بل تراه هو ذاته أمير القبيلة.. أو شيخ الشباب ..حتى لو أصبح على حافة قبره ..بل ترى كتاب الدراما يكتبون النص بما يلائم عمره أو جسده أو وضعه الصحي ..أي أن الكتاب هم أنفسهم ..ذاتهم ..الذين يكتبون للتلفزيون والسينما والمسرح وقد تجد الممثل قد أصبح كاتباً ..أو مخرجاً ..أي أن الجميع يدورون في الفلك ذاته ففي هوليود على سبيل المثال يقوم كاتب بطرح فكرة الفيلم ..فإذا أعجبت شركة الإنتاج بالفكرة ..توقع العقد على الفور مع الكاتب وتمنحه ثمن كتابة الفيلم ..وتؤمن له مكاناً مريحاً للكتابة ..أما عندنا فقد يشح نظر الكاتب وهو يكتب السيناريوهات ..وحين يقدمه لإحدى الشركات الإنتاجية أو التلفزيون الرسمي ..فإنه يقابل بالرفض ..دون أن يقرأ احد منه كلمة واحدة فشلة  الدراما هي حصن أو قلعة منيعة على الدخول ..لأنها ممتلئة بالكتاب والممثلين والمخرجين والمنتجين ..ويكون أبو زيد الهلالي خاله من يستطيع اقتحام هذا السور الدرامي المحصّن من جميع الجهات !!

إذا قمت بسؤال معظم شاباتنا وشبابنا .. وحتى الأطفال .. أو الكبار في السن عن أمنياتهم ؟ تجدهم يتمنون أن يكونوا ممثلين !! لماذا يا ترى ؟!

في الحقيقة هناك أجوبة وهمية سطحية .. وأجوبة جوهرية حقيقية فالأسباب الوهمية هي : حب الشهرة والنجومية .. وخاصة الإناث .. فكل فتاة ترى الممثلات على شاشة التلفزيون بكامل أناقتهن وجمالهن .. منفوخات الشفاه وأما الحواجب المرسومة فأشبه بجناحي الغراب .. ولا أحد يعرف لون عيون الممثلة الحقيقي والأسنان الاصطناعية كحبات البرد .. ولكنة أصواتهن المصطنعة متشابهة لدرجة لا تستطيع تمييز طبقة ممثلة عن الأخرى والوجوه متشابهة أيضاً .. لأن صنّاع الجمال الاصطناعي يعملون على القالب ذاته .. قالب هيفا وهبي أو نانسي عجرم .. فلا يمكنك تمييز فنانة عن الأخرى هكذا ترى فتياتنا مستقبلهن الجمالي إذا دخلوا عالم التمثيل .. وهناك من يقول : إنه يحب التمثيل لأن الفن يعيش في دمه .. وهذا سبب يسبب الضحك ..
في الحقيقة إن الأسباب الجوهرية غير ذلك .. فالسبب الأول لحب التمثيل هو حب الشهرة  .. فشبابنا يحلمون بالوصول إلى المجد و إلى قمم النجاح .. إن كان من ناحية العمل .. أو الدراسة .. أو الحياة .. ولكنهم يصطدمون جميعهم بصخرة الواقع التي تحطم آمالهم .. لتخلق عوضاً عنها آلامهم .. يكتشفون أن حياتهم كلها شقاء .... وفقر .... فيتجهون إلى التمثيل حيث سيجدون أنفسهم يحققون آمالهم من خلال التمثيل .... أي الأحلام .. فالشاب سيكون البطل في المسلسلات أو الأفلام .. وسيبرز مهاراته في التمثيل وسوف يعيش أحلامه .. ولوعلى الشاشة .. هذا يشبه تماماً ما يحصل في مباريات كأس العالم .. فعندما يخفق منتخبنا في الفوز والوصول إلى نهائيات كأس العالم تجد شبابنا يحملون أعلام الدول المتأهلة ويشجعون اثني وثلاثين فريقاً .. وفي المرحلة التالية يصبح عدد الأعلام ستة عشر علماً .. وفي النهائي يتبقى لدينا علمان البرازيلي والأرجنتيني ..وفي اليوم التالي وبعد المباراة النهائية يعود شبابنا للخواء والفراغ  .. فلا الفريق الرابح أفادهم في شيء .. ولا الخاسر .. ما العمل إذاً ؟! محاولة الانتساب للمعهد العالي للفنون المسرحية ...

د.نصر مشعل