تحية الصباح ... من الذاكرة 70

الأعمال الجادّة، التي تشعر بمسؤوليّةِ أنْ تقدّم شيئاً نافعاً، او مفيداً، أو جميلا، .. حين تنطلق بنيّة صادقة، وهدف تحدّده طبيعة العمل، .. في مثل هذه الحالة تتفتّق براعم اجتهادات، ورؤى إضافيّة، وهذا ما حدث مع "مهرجان الثقافة الموسيقيّة"، في تلك الأيام، فقد تمّ الاتّفاق على أن يُخصَّصَ يوم للألحان الجديدة، وتستمع إليه اللجنة المكلّفة من أهل الاختصاص، وتُقرّ مشاركته أو عدمها، ولم تعرف حمص مَن لحّن فيها مِن قبل إلاّ "طقطوقة يا عاصينا يا زين"، وطقطوقة أخرى، وأكثر ما كان يُغنّى في سهراتها ومناسباتها قصيدة "أنا في سكرين"، التي أخذها الفنان الشهير صباح فخري وعدّل في لحنها، مع أنّ لحنها الأصل أجمل،.. وبنسبة أقلّ قصيدة" دفنتُ أشجاني"، والطريف أنّ القصيدتين للشاعر الحموي المشهور بدر الدين الحامد، واللحنين لملحّن حمويّ أيضا هو عزّ الدين الحريري، وقد ظلّ الناس زمناً طويلاً ينسبون اللّحن إلى " نعسان الحريري، حتى صحّحت هذه المعلومة السيدة الفاضلة المرحومة أم فريد السباعي زوجة المرحوم مراد السباعي، وهي من حماة، وكان لها معرفة بشيء من هذا الفنّ.

بعد تجربة أولى، أو ثانية، ما عدتُ أذكر تكشّف الأفق عن عدد من الملحّنين الذين يقفون بما لحّنوه على سطح واحد مع كبار المحترفين، ولكنْ..، كما قالوا قديما:" الشهرة حظّ"

لحّن الفنّان المهندس عيسى فيّاض مغنّاتين هما:" " ديك الجنّ الحمصي"، وقد ربطتُ له بين الفقرات بكلمات منّي وبصوتي، ومغنّاة" جبران خليل جبران" وكلّ مغنّاة تستغرق ساعة من الأداء، وكانتا على درجة عالية من النّضج، والاتقان،

لحّن الراحل هشام الصوفي قصائد وأغاني لصاحبة الصوت الدّافئ المميَّز علياء عيسى، وكانت معظم ألحانه مع صاحبة هذا الصوت، ومن أسف أنّ الإذاعة والتلفزيون لم تهتمّا بهذه الابداعات، لامن قريب ولا من بعيد، وظلّ برنامج " هنا حمص" الذي كنتُ أعدّه وأقدّمه يعتمد على تقديم تلك العطاءات في فترة بثّه، ومن أسف أنّ هذه الابداعات لم يهتمّ بجمعها أحد من ذوي الاختصاص، فأنا مجرّدً هاوٍ، وفي مكتبتي الموسيقيّة" الكاسيت" تسجيلات لكلّ هؤلاء، واهتمّ المرحوم الصوفي بالألحان النّاقدة، سائرا في ذلك سبيل "الشيخ إمام" الغنيّ عن التعريف،

لحّن الدكتور عصام شريفي العديد من الألحان، وأوقف ألحانه على صوت سمر بلبل، بنت الفنان المسرحي المعرف فرحان بلبل، والتي أصبحت زوجته فيما بعد، وسافرت معه إلى فرنسا، والدكتور عصام، كوالده رحمه الله سنباطيّ الهوى، ومَن مِن أهل الذّوق لايحبّ رياض السنباطي وروائعه في التلحين، وكانت بدايات ألحان الدكتور عصام شريفي لا تخلو من أثر السنباطي، وهذا مدْح لاقدْح فيه، فأن يبدأ طالب طبّ جراح ألحانه من عوالم السنباطي، ومن سويّة عالية، فتلك ميزة ولا شكّ،

وقدّم المرحوم محي الدين الهاشمي لفرقة نقابة المعلّمين التي كان يقودها ويدرّبها،.. قدّم ألحانا نوعيّة لافتة ،

ثمّة مَن قدّم ألحانه لمرّة أو أكثر كسعيد السراج، وعبد المعين مرزوق الذي أحيا رميم لحن قديم له،

أمّا المرحوم زيد حسن آغا فله وجهة أخرى، فقد قدّم بعض الألحان، وانهمك بتقديم قدود الشيخ أمين الجندي، وبدلا من تقديمها كما هي  فقد كان يأخذ لحن مطْلع القدّ، ويحافظ عليه، ثمّ يبدأ هو بتأليف لحنيّ آخر، ورغم ما اثرناه بحضوره، رحمه الله، وما نشرناه في الصحافة فقد ظلّ متمسّكا بما هو عليه، غير عابئ بما يُقال،

شمل مهرجان الثقافة الموسيقيّة يوم للموسيقى الآليّة، وفيه استمعنا إلى السماعيّات، والبشارف، والمقطوعات الموسيقيّة للمشاهير كأمير البزق محمد عبد الكريم، والذي قد نمرّ على تكريمه وتكريم آخرين من أصحاب هذا الفنّ من الحمامصة، وفيه تألّق عازف الكمان الشهير مروان غريبة، صاحب القوس الماسي، والرهافة النّادرة، وعازف القانون الحمصيّ رياض فاخوري، واستضاف عدداً من مشاهير العازفين من خارج حمص،

لقد كانت أياماً حافلة بالفنّ، والعطاء، والابداع، عرفتْها في ذلك الزمن الجميل، فسُقيا لتلك الأيام، ولمن أرسى قواعدها، وعسى أن تشكّل حافزاً للأجيال القادمة من أهل هذا الفنّ..

عبد الكريم النّاعم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.