تحية الصباح ... في ذكراه ...!!

كان يوماً لن أنساه  , حملت عدة قصص ومقالات وهرعت إلى هناك , ابتلعني شارع الحميدية ذلك الصباح الصيفي , ثم انعطفت نحو اليسار في شارع " بيت رجوب " .. فوصلت المكان المقصود " " صحيفة العروبة بحمص " اللوحة السوداء الكبيرة والعبارة مكتوبة باللون الأبيض . صعدت الدرج وفي أعلاه اعترضني موظف الاستعلامات ولعله كان " أبو أيمن " الزميل المتقاعد محمد بربر وسألني ماالذي أريده  أخبرته أنني أريد مقابلة رئيس التحرير مسحني بنظره وقال :" رئيس التحرير .. دفعة واحدة !!" قلت له " نعم  لأنني أرسلت عدة مواد ولم ينشر أي منها ..!!" أخذ ما بيدي ودخل غرفة رئيس التحرير بينما انتظرت في الممر الضيق .. وبعد دقائق قليلة عاد ليشير لي بالدخول  لم يكن أحدا  في الغرفة سواه رجل طويل القامة , أقدر أنه كان في العقد الرابع من عمره , نحيف الجسم بعض الشيء , عيناه بدتا لي كعيني صقر ..!! هب واقفاً وراء مكتبه .. مد يده مصافحاً وطلب مني الجلوس وراح يقلب أوراقي أمامه , رحم الله الشهيد فائق المحمد رئيس تحرير العروبة الأسبق الذي دفع حياته ثمناً للكلمة الوطنية والموقف الوطني والقومي .. فغدر به رصاص " الإخوان الشياطين " .

قرأ إحدى مقالاتي بسرعة وراح يضع خطوطاً بقلم أحمر  ثم قال لي بعدما انتهى من قراءة المادة .. انظر " الأفكار .. غير مترابطة .. وهذا المقال عن رواية " الهودج " لقمر كيلاني ليس فيه تعريفاً موجزاً عمن تكون الكاتبة ... أما القصص فسوف ننظر بأمرها .. ونصيحتي لك أن تتمهل كثيراً بالنشر وأن تقرأ كثيراً وأن تقرر أي المجالين : النقد الأدبي أم القصة القصيرة , ترى نفسك فيه ؟!!".

كانت نصيحةً أفادتني كثيراً بعدها بأشهر , كنا في معسكر الحسن بن الهيثم الجامعي التدريبي واستضافت قيادة المعسكر الأستاذ فائق المحمد ليتحدث في محاضرة بعنوان " الدور القومي السوري في لبنان " فألقى المحاضرة عن ظهر قلب وكأنه يقرأ في كتاب , ساعتان ونحن نصغي له ونستمتع بحديثه وإنني إذ استذكره اليوم فإنني لا أزال أترحم عليه لأنه أفادني بأمرين : الأول أنه لم ينشر قصصي ومقالاتي مما دفعني لإعادة النظر كثيراً قبل النشر , والأمر الثاني أنه جعلني أفكر بأمر لم أكن أجرؤ على البوح به وهو " ليتني أصير رئيساً للتحرير في يوم من الأيام ...!!".

وهذه الأمنية التي تحققت بعد ربع قرن ونيف من تلك الزيارة الأولى لي للعروبة .. لا أزال أفكر هل أفادتني أم لم تفدني .. والله أعلم ..".

المقال السياسي الذي كان يكتبه الراحل الشهيد فائق المحمد ممتع , ومقنع , وليس فيه وعظ أو إرشاد بقدر ما فيه من حقائق التاريخ والجغرافية والماضي والحاضر ..!!

لقد كان الرجل محاوراَ من الطراز الرفيع ومؤمناً بالحوار . وكثيرون لا يعرفون أن المرحوم فائق المحمد له كتابان هما " دراسات في الرواية العربية " و " البنية التاريخية لحركة التحرر العربي "

رحم الله الشهيد فائق المحمد .... وحمى الله سورية .

عيسى إسماعيل