من الذاكرة 74

                       عبد الكريم النّاعم

وعدتُ في زاوية سابقة أن أتحدّث عن أسطورة حمص في الغناء، المطرب الراحل نجيب زين الدّين، وما سأقوله، رواه بعض أقرأته في مصدر نادر، وبعضه الآخر سمعتُه ممَن عاصر ذلك الرجل، أو من الجيل الذي تلاه،

عاش نجيب زين الدّين معظم حياته في مدينة حمص، حتى أنّه حين ذهب لمصر" أمّ الدنيا" وفتَن أهلها، حاولوا إبقاءه فيها ولكنّه لم يستطع الابتعاد عن مسقط رأسه، وكانت زهوة شبابه في الربع الأوّل من القرن العشرين،

عُرف بمزاجيّته، فهو حين يُدعى إلى سهرة، وقد يجد، بحسب حساسيّته، مَن لا يرتاح لوجوده، فإنّه يتعمّد قطع أوتار العود من خلال الضرب عليها، وقد يلجأ إلى غناء بيت من الشعر، ثمّ يضع العود جانباً ويسأل السامرين عن قضايا نحْويّة، وكيف تُعرب، وذات سهرة ضجرَ من أحد الموجودين، فطلب من صاحب البيت أن يدلّه على المرحاض لقضاء حاجة، وكانت المراحيض قديماً يُختار لها المكان البعيد في الدار، فنهض وقد ترك ( الجاكيت) التي يرتديها، وحين طال الوقت، سأل بعض الساهرين عن تأخّره، فأجابهم مَن يعرف مزاجه:" يكون قد صار إلى بيته"، وكان ذلك بالفعل،

كان نجيب يغنّي القصائد، والموّالات، والموشحات، والأدوار، وطقاطيق الطرب،

رُوي عنه أنّه جمعته سهرة مع الشاعر الحموي المعروف بدر الدين الحامد، في أحد بساتين حمص، وكان يغرّد بصوته، وقد اقترب وقت الفجر، فوقف بلبل على غصن شجرة فوقه وبدأ الزقزقة بنشاط لافت، ومن ثمّ وقع في حرْجه، وقد ثبّت بدر الدين الحامد هذه الحادثة في ديوانه الذي طبعته وزارة الثقافة، كما ثبّتها المرحوم الأديب والشاعر رضا صافي في كتابه المهمّ " على جناح الذّكرى"، وهو كتاب في أربعة أجزاء، طبعته وزارة الثقافة،

ذات سفْرة كان في بيروت، ومرّ ليلا بأحد أزقّتها، فسمع غناء جميلا، فوقف قرب الباب يستمع، ولفّ سيكارة، واثنتين، وثلاثة، ثمّ لم يعد قادرا على الصبر، فقرع الباب، وخرج صاحب الدار، فوجده أمامه، فبادره:" أخي سمعتُ غناء جذبني، وأنا أقف منذ أكثر من ساعة، فهل تقبلون تطفّلي"؟ فرحّب به، وجلس يستمع، وحين يسمع قفلة نغمة يبدو عليه السرور والانفعال، فالتفت إليه أحد الموجودين وسأله:" أراك طروباً، فهل تُجيد شيئا من الغناء"؟، فقال له:" نجرّب"، وبدأ الغناء فامتدّت السهرة حتى الصباح،

في سفرة أخرى له إلى بيروت دخل إلى حفلة غناء، تغصّ بالرجال والنساء، وهو يرتدي عادة اللباس العربي، القنباز، والجاكيت، والطربوش، وجلس إلى طاولته يشرب ويستمع، وكان في صوت المطرب الكثير من النّشاز، وكلّما نشّز صاح من محلّه،" وَلَك يا عمّي نشّزت"، وتكرّر الأمر، وانزعج بعض الحاضرين، فقال له المطرب متضايقا:" شرّفْ وأرِنا ما عندك"، وأشار إلى المسرح، فقال له :" ألي يقال هذا الكلام"؟!! ولبس طربوشه، وصعد إلى المسرح، وبدأ الغناء، ففتن الموجودين، واستمرّت وصلته حتى بعد طلوع الشمس، والناس سكارى بصوته،

أمّا سبب عدم تسجيل صوته، فيُروى أنّه اتّفق مع إحدى الشركات التي تسجّل، وكان التسجيل على أسطوانات ( زفت) في بيروت، فذهب إليها،  وبينما هو يتجوّل شاهد رجلا يدفع عربة وعليها فونوغراف، وبجانبه أشهر أسطوانات ذلك الزمان، فتقدّم أحد الموجودين من صاحب العربة وناوله عشرة قروش، وقال له:" أريد أسطوانة كذا لمحمد عبد الوهاب"، فوضعها وارتفع صوت عبد الوهاب، فقال نجيب زين الدين لنفسه:" أهذه آخرتك يا نجيب، يستمع الناس إليك، بعشرة قروش ؟!! "،وقرّر أن لا يسجّل، وهكذا حرم الناس من موهبة صوتيّة نادرة، والوحيد الذي ترك لنا تسجيلا من رفاقه ومجايليه هو عبد الرحمن الزيّات، وكانت الأسطوانة عند أحدهم مهجورة، فأخذها منه المرحوم أحمد شريفي أبو عماد الذي تحدّثنا عنه، وننقعها ببعض المحاليل، ونظّفها، وهذا ما حفظها لنا..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.