من الذاكرة 75

حين بدأنا بتسجيل الحلقات الأولى من برنامج" هنا حمص" كان علينا أن نسجّل الحلقة، وتُرسل إلى دمشق لمراقبتها، وإجازة إذاعتها، وهو أمر مُتعارَف عليه،

استفدتُ ممّا لديّ من خبرة إذاعيّة اكتسبتها أثناء عملي في الاعلام، كما أعرف كيف أتعامل مع  المايكروفون، وأشركتُ الصديق محمد الفهد في تقديم الحلقات، وسعيتُ لإيجاد صوت نسائيّ لتحقيق بعض التلوين، وشارك في ذلك أكثر من صوت نسائيّ، كنتُ أدرّبهنّ، وبعد اتّصال من دمشق، شاركنا صوت منى دروبي، بعد تدريبها، واستمرّت حتى تمّ إيقاف البرنامج، 

هكذا صار كلّ اهتمامي، في جميع أوقاتي هو تأمين مواد لهذا البرنامج، ومَن لم يعمل في الإذاعة، أو الصحافة اليوميّة لا يستطيع تقدير المشقّة ليس اليوميّة فقط، بل الدّائمة،

أفتح كتابا، أو صحيفة، أو مجلّة للمطالعة فأجد في أيّ منها مادة لفقرة من هذا البرنامج، فأتوقّف وأنهض لإعدادها،

شمل اهتمامنا حمص تاريخيّا، منذ أقدم العصور حتى الآن، والعادات والتقاليد، والموسيقا والغناء فيها، واحتفالات المناسبات والأعياد، والفنون الشعبيّة، والفنّ التشكيلي،   كانت الفضاءات واسعة بيد أنّها مُتعبة، ولا تكاد تترك فرصة لالتقاط الأنفاس، والذي جعلني أحتمل كلّ ذلك الضغط أنّني أحببتُ هذا العمل، وحين تحبّ تنبثق قدرات الاحتمال، وشجّعني على ذلك الشعبيّة التي لاقاها البرنامج، فما أن يحلّ موعده حتى تسمع موادّه في معظم المحال العامّة، وفي البيوت، وصار له جمهوره في زمن قصير، ليس لأنّه عن حمص ومكتنزاتها، بل لأنّ الطريقة التي يُعدّ بها فيها شيء من الجاذبيّة الفنيّة،

كنتُ أهيّئ في البيت أشرطة الفواصل الفنيّة والغنائيّة، وأرتّبها بحسب تسلسل الفقرات، وأحمل يوم التسجيل حقيبة متوسّطة الحجم، فيها هذه الأشرطة، وأعلّقها على كتفي، وأخرج من البيت في حيّ النّزهة، متوجّها مشياً على الأقدام، إمّا عن الطريق الموصل إلى محيط القلعة، وإمّا عن طريق شرقي طريق الشام،  فأصعد إلى القلعة، وها أنا اليوم لو اعطيتني ما تطلّ عليه تلك القلعة لما استطعت الصعود، إنّها سنوات العمر، وهكذا يجلس مسؤول الهندسة الفنيّة، وكلّ عمله أن يضع شريطا مكان شريط، وكلّها أشرطة كاسيت،

كان تسجيل الحلقات في البداية يأخذ وقتاً مناسبا، وبعد سريان الآليّة المذكورة أعلاه، صرنا نسجّل مواد الأسبوع كلّه في أربع ساعات، فصار العمل أسهل، وأكثر رحابة،

لم يكن جمهورنا وقفا على حمص وحدها، وأستشهد هنا بما قاله لي الشاعر والكاتب المبدع المرحوم ممدوح عدوان أثناء أحد لقاءاتنا في دمشق، قال إنّه لا يترك حلقة تمرّ من هذا البرنامج إلاّ ويستمع إليها، وقد كتب عنه مقالة نشرها في جريدة " القدس العربية" التي كانت تصدر في لندن لصاحبها عبد الباري عطوان، وحين أطلعني على المقالة رجوته أن يرسلها إلى فاكس جريدة العروبة، الذي زوّدته به فيما بعد، وللأسف فإنّ جهاز الاستقبال في الجريدة أعطانا نسخة لا يمكن قراءتها لغلبة سواد الحبر عليها، وهو يشيد بهذه التجربة، وبجهود القائمين عليها، ويراها أنّها تفي بالغرض من جميع الوجوه، لا كمعظم ما يُذاع بحسب رأيه،

كان عليّ أيضا أنْ أعدّ في نهاية كلّ شهر بياناً ماليّا باستحقاق المشاركين في ذلك البرنامج، وأوصله إلى دمشق، بطريقة مضمونة، وننتظر صرف الاستحقاقات الماليّة، وكنتُ قد طلبت من عدد من أصحاب الاختصاص، كلّ بحسب اختصاصه أن يكتب لنا، فتُذاع المادة حاملة اسمه، وشمل ذلك التاريخ، والفنون التشكيليّة، والمساحة التي تضمّنتْها مواد البرنامج، وكنتُ أوصل لكلّ كاتب استكتابه، وكانت قيمة متواضعة، قياسا بجهد كاتبيها،

أحد الأصدقاء قال لي :" أنا لستُ بحاجة لهذا المبلغ"، قلت:" تأخذه وتتصرّف به"

الصيغة التي ذكرتها ماليّا حتّمت عليّ أن أسافر كلّ شهر لدمشق لاستلام المكافآت، وهكذا كنتُ، فيما اقتضاه هذا البرنامج محاسبا...

  عبد الكريم النّاعم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.