من الذّاكرة 86

بعض ما في الذّاكرة، أكتبه عسى أن يجد مَن يلمّه، لأنّنا أصبحنا نعيش في أزمنة تبدو غريبة علينا، كما نبدو غرباء فيها، على تعدّد المستويات المُتَضَمَّنة،

-إبراهيم العباس، المشهور بـ " أبو مهدي" صوت من أجمل الأصوات التي سمعها الحماصنة، منذ منتصف عشرينات القرن الماضي، وحتى منتصف ثمانينيّاته، قرارُه واضح، وجوابه عذب، وهو حين يبدأ الغناء، بصورة لا إراديّة يحرّك شفتيه، وكتفه، انفعالا، مربوع القامة،  يرتدي الثياب العربيّة، والحطاطة والعقال، والمُدهش أنّه أميّ لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ومن أبرع عازفي آلة العود، وهو من أصول غجريّة ولعلّه أوّل غجريّ يتخلّى عن الغناء الشعبي المتوارث الذي يصلح للمناسبات الشعبيّة، كما ابتعد عن الآلات الشائعة بين الغجر، الرباب، والزّورنة، والبزق، واختار العود لرقيّه، ولا أعرف من أين حفظ ذلك الكمّ الهائل من القصائد، والأدوار، والموشحات، والطقاطيق، وكان من البارعين في الانتقال بين المقامات الموسيقيّة، وتفريعاتها، على الرغم من ملاحظة بعض الأخطاء اللفظيّة في بعض قصائده، وشفيعه في ذلك أنّه هكذا حفظها، وهذا يدلّ على أنّ ذاكرته كانت قويّة الحضور، ولعلّ أباه الريّس عبّاس قد مهّد لشيء من انزياح ابنه، فقد كان أبوه، كما روى لي من نافخي " النّاي"، وكان أبو مهدي من المعجَبين جدا بمحمد عبد الوهاب، وبسيّد درويش،

-روى لي المرحوم أبو مهدي أنّه في مقتَبَل شبابه، وكان أهله قد ضربوا خيامهم على تخوم بساتين حمص، في الزّاوية الشماليّة الغربيّة من حيّ القرابيص، وكان هو في المدينة يصطبح عند أحد أصدقائه، فشاهد واحداً من أقاربه منهمكاً في التلفّت والبحث، فنهض إليه، وسأله: "مابك"؟!! فأجابه:" أبحث عنك، لديك ضيوف غرباء في البيت"، فذهب معه، فوجد في الخيمة المتواضعة رجلين مسنّين، يلبسان القنباز العربيّ، وعلى رأس كلّ منهما لفّة عمامة صغيرة، فسلّم وجلس، وكان الوقت قد بدأ يميل باتجاه الظهيرة، فاستأذنهما لإحضار غداء، فقال له الكبير:" اسمع نحن ما جئنا بقصد الأكل والشرب، نحن سمعنا بك، وبصوتك، وأدائك، فإذا أردت أن تُضيّفنا فأَسْمعنا"، يقول أبو مهدي أدركتُ أنّي أمام سمّيعين يُحسَب لهما حساب، فتناولت العود وقسّمت وبدأت بليالي من مقام كذا، وفرّدتُ فعرّجتُ على مقام كذا، ومنه إلى مقام كذا، وقفلتُ بالنّغمة التي بدأت بها، والشيخ الذي يبدو أكبر، يُغمض عينيه، ويهزّ برأسه، ويبدو التأثّر في ملامح وجهه، واستمرّينا على هذه الحال حتى مالت الشمس لما بعد العصر، ونحن نحتسي الشاي ، وبعد إحدى القصائد عرّجتُ على طقطوقة، فمدّ الشيخ الكبير يده في عبّ قنبازه، وأخرج ( رِقّاً) ورافقني، فازددتُ طربا، وحاولتُ التجويد بقدر ما أستطيع، وحين مالت الشمس أكثر نحو الغروب، كان التعب قد أخذ منّي، فوضعتُ العود جانبا، وجهدت من أجل إحضار غداء فرفضا، وتهيّئا للمغادرة، وحين وقفتُ أودّعهما قال لي الشيخ الكبير:" يا إبني أنت لا تعرفني، أنا عمر البطش، وكان صيته يملأ الأسماع، .. قالها وغادر..، جاء من حلب وهو الموسيقي الشهير ليستمع إلى صوت جميل،

_أشرطة البَكَر، والكاسيت، أيام الكاسيت، كان فيها الكثير الكثير ممّا غنّاه أبو مهدي، لدى محبّي الطرب، وكان صوته واحداً من الأصوات التي قدّمها برنامج " هنا حمص"، وما يزال في مكتبتي العديد من أشرطة الكاسيت له، بعضها شائع، وبعضها كان سهرات خاصة سهرناها معه، وها قد انتهى زمن الكاسيت، ونَقْل ما لديّ على " سيديات" يحتاج لوقت ومال، وكلاهما عسير،

-كم يحزنني أن تنطوي تلك الروائع من سهرات حمص التي عرفناها، لاسيّما وأن الأجيال الصاعدة في معظمها قد انحرفت بها الفضائيات، والبرامج المسلّية، والألعاب، بخطة مقصودة للإلهاء عن كلّ ما له علاقة بالأصالة، ليصل المخطّطون إلى جيل ليس في رأسه إلاّ ما زرعتْه برامجهم، وألعابهم، ومسلسلاتهم، وهكذا يجري استئصال الجذور، لزرع مقولات جديدة تمهّد لتحقيق الأهداف البعيدة في السيطرة، والامساك...

عبد الكريم النّاعم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.